تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
يقول تعالى ذَامّا للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وفرحوا بمقعدهم(١) بعد خروجه، ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ معه ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا﴾ أي : بعضهم لبعض :﴿لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ ؛ وذلك أن الخروج في(٢) غزوة تبوك كان في شدة الحر، عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا(٣) ﴿لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قال الله تعالى لرسوله :﴿قل﴾ لهم :﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾ التي تصيرون إليها بسبب مخالفتكم ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ مما فررتم منه من الحر، بل أشد حرا من النار، كما قال الإمام مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال :" نار بني آدم التي يوقدون بها جزءٌ من سبعين جزءًا [ من نار جهنم " فقالوا : يا رسول الله، إن كانت لكافية. قال(٤) إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا ](٥) أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، به(٦)
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي(٧) ﷺ قال :" إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل [ الله ](٨) فيها منفعة لأحد " (٩) وهذا أيضا إسناده صحيح(١٠) وقد روى الإمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه، عن عباس الدوري، عن يحيى بن أبي بكير(١١) عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :" أوقد على النار ألف سنة حتى احمرَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل المظلم ". ثم قال الترمذي : لا أعلم أحدا رفعه غير يحيى(١٢) كذا قال. وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن الحسين بن
مكرم، عن عبيد الله بن سعد(١٣) عن عمه، عن شريك - وهو ابن عبد الله النخعي - به. وروى أيضا ابن مردويه من رواية مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس قال : تلا رسول الله ﷺ :﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قال :" أُوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء كالليل، لا يضيء لهبها " (١٤) وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث تمام بن نَجِيح - وقد اختلف فيه - عن الحسن، عن أنس مرفوعا :" لو أن شرارة بالمشرق - أي من نار جهنم - لوجد حرها مَنْ بالمغرب " (١٥) وروى الحافظ أبو يعلى عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن أبي عبيدة الحداد، عن هشام بن حسان(١٦) عن محمد بن شبيب، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جُبَير، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" لو كان هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه، لاحترق المسجد ومن فيه " (١٧) غريب.
وقال الأعمش عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله ﷺ :" إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لمن له نعلان وشِرَاكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، لا يرى أحدا من أهل النار أشدُّ عذابا منه، وإنه أهونهم عذابا ". أخرجاه في الصحيحين، من حديث الأعمش(١٨) وقال مسلم أيضا : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر(١٩) حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش(٢٠) عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال :" إن أدنى أهل النار عذابا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار، يغلي دماغه من حرارة نعليه " (٢١) وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى، عن ابن عجلان، سمعت أبي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال :" إن أدنى أهل النار عذابا رجل يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه " (٢٢)
وهذا إسناد جيد قوي، رجاله على شرط مسلم، والله أعلم.
والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة، وقال الله تعالى في كتابه العزيز :﴿كَلا إِنَّهَا لَظَى نزاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٥، ١٦] وقال تعالى :﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢] وقال تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]
وقال تعالى في هذه الآية الكريمة [ الأخرى ](٢٣) ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي : لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحر، ليتقوا به حَرَّ جهنم، الذي هو أضعاف أضعاف هذا، ولكنهم كما قال الآخر(٢٤) كالمستجير من الرمضاء بالنار
وقال الآخر :
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي(٧) ﷺ قال :" إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل [ الله ](٨) فيها منفعة لأحد " (٩) وهذا أيضا إسناده صحيح(١٠) وقد روى الإمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه، عن عباس الدوري، عن يحيى بن أبي بكير(١١) عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :" أوقد على النار ألف سنة حتى احمرَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل المظلم ". ثم قال الترمذي : لا أعلم أحدا رفعه غير يحيى(١٢) كذا قال. وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن الحسين بن
مكرم، عن عبيد الله بن سعد(١٣) عن عمه، عن شريك - وهو ابن عبد الله النخعي - به. وروى أيضا ابن مردويه من رواية مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس قال : تلا رسول الله ﷺ :﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قال :" أُوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء كالليل، لا يضيء لهبها " (١٤) وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث تمام بن نَجِيح - وقد اختلف فيه - عن الحسن، عن أنس مرفوعا :" لو أن شرارة بالمشرق - أي من نار جهنم - لوجد حرها مَنْ بالمغرب " (١٥) وروى الحافظ أبو يعلى عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن أبي عبيدة الحداد، عن هشام بن حسان(١٦) عن محمد بن شبيب، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جُبَير، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" لو كان هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه، لاحترق المسجد ومن فيه " (١٧) غريب.
وقال الأعمش عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله ﷺ :" إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لمن له نعلان وشِرَاكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، لا يرى أحدا من أهل النار أشدُّ عذابا منه، وإنه أهونهم عذابا ". أخرجاه في الصحيحين، من حديث الأعمش(١٨) وقال مسلم أيضا : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر(١٩) حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش(٢٠) عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال :" إن أدنى أهل النار عذابا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار، يغلي دماغه من حرارة نعليه " (٢١) وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى، عن ابن عجلان، سمعت أبي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال :" إن أدنى أهل النار عذابا رجل يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه " (٢٢)
وهذا إسناد جيد قوي، رجاله على شرط مسلم، والله أعلم.
والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة، وقال الله تعالى في كتابه العزيز :﴿كَلا إِنَّهَا لَظَى نزاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٥، ١٦] وقال تعالى :﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢] وقال تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]
وقال تعالى في هذه الآية الكريمة [ الأخرى ](٢٣) ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي : لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحر، ليتقوا به حَرَّ جهنم، الذي هو أضعاف أضعاف هذا، ولكنهم كما قال الآخر(٢٤) كالمستجير من الرمضاء بالنار
وقال الآخر :
| عُمرُكَ بالحميَة أفْنَيْتَه | مَخَافَةَ البارد والحَار |
| وَكانَ أولَى بك أنْ تَتقي | مِنَ المعَاصِي حَذرَ النَّار |
١ - في ت، أ :"بقعودهم"..
٢ - في ت، أ :"إلى"..
٣ - في ك :"قال"..
٤ - في ت، ك، أ :"فقال"..
٥ - زيادة من ت، ك، أ، والموطأ..
٦ - الموطأ (٢/٩٩٤) وصحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤٣) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد به..
٧ - في ك :"أن رسول الله"..
٨ - زيادة من ت، ك، أ، . والمسند..
٩ - المسند (٢/٢٤٤)..
١٠ - في ت، أ :"إسناد جيد صحيح"..
١١ - في أ :"بكر"..
١٢ - سنن الترمذي برقم (٢٥٩١) وسنن ابن ماجه برقم (٤٣٢٠) وقال الترمذي :"حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن شريك"..
١٣ - في ت، ك، أ :"سعيد"..
١٤ - ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٩٩) من طريق سهل بن حماد عن مبارك بن فضالة به نحوه..
١٥ - المعجم الأوسط برقم (٤٨٤١) "مجمع البحرين" وأشار الحافظ هنا إلى الاختلاف في حال تمام بن نجيح، قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٣٦٢) :"في إسناده احتمال للتحسين"..
١٦ - في جميع النسخ :"حسام" والتصويب من أبي يعلى..
١٧ - مسند أبي يعلى (١٢/٢٢) ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/٣٠٧) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل به، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٣٦٣) :"إسناده حسن، وفي متنه نكارة"..
١٨ - صحيح البخاري برقم (٦٥٦٢) وصحيح مسلم برقم (٢١٣)..
١٩ - في أ :"بكر"..
٢٠ - في أ :"عباس"..
٢١ - صحيح مسلم برقم (٢١١)..
٢٢ - المسند (٢/٤٣٨)..
٢٣ - زيادة من ت، ك، أ..
٢٤ - وصدر البيت : والمستجير بعمرو عند كربته وذكره داود الأنطاكي في مصارع العشاق (ص ٢١٩)..
٢ - في ت، أ :"إلى"..
٣ - في ك :"قال"..
٤ - في ت، ك، أ :"فقال"..
٥ - زيادة من ت، ك، أ، والموطأ..
٦ - الموطأ (٢/٩٩٤) وصحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤٣) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد به..
٧ - في ك :"أن رسول الله"..
٨ - زيادة من ت، ك، أ، . والمسند..
٩ - المسند (٢/٢٤٤)..
١٠ - في ت، أ :"إسناد جيد صحيح"..
١١ - في أ :"بكر"..
١٢ - سنن الترمذي برقم (٢٥٩١) وسنن ابن ماجه برقم (٤٣٢٠) وقال الترمذي :"حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن شريك"..
١٣ - في ت، ك، أ :"سعيد"..
١٤ - ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٩٩) من طريق سهل بن حماد عن مبارك بن فضالة به نحوه..
١٥ - المعجم الأوسط برقم (٤٨٤١) "مجمع البحرين" وأشار الحافظ هنا إلى الاختلاف في حال تمام بن نجيح، قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٣٦٢) :"في إسناده احتمال للتحسين"..
١٦ - في جميع النسخ :"حسام" والتصويب من أبي يعلى..
١٧ - مسند أبي يعلى (١٢/٢٢) ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/٣٠٧) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل به، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٣٦٣) :"إسناده حسن، وفي متنه نكارة"..
١٨ - صحيح البخاري برقم (٦٥٦٢) وصحيح مسلم برقم (٢١٣)..
١٩ - في أ :"بكر"..
٢٠ - في أ :"عباس"..
٢١ - صحيح مسلم برقم (٢١١)..
٢٢ - المسند (٢/٤٣٨)..
٢٣ - زيادة من ت، ك، أ..
٢٤ - وصدر البيت : والمستجير بعمرو عند كربته وذكره داود الأنطاكي في مصارع العشاق (ص ٢١٩)..