اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ﴾ الآية.
" بِمَقْعدِهِم " متعلقٌ ب " فرح "، وهو يصلحُ لمصدر " قَعَدَ "، وزمانه ومكانه.
قال الجوهريُّ " قَعَدَ قُعُوداً ومَقْعَداً "، جَلس، وأقعَده غيره " والمخلف : المتروكُ، أي : خلفهم الله وثبطهم، أو خلفهم رسول الله - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنون، لمَّا علموا تثاقلهم عن الجهادِ والمرادُ ب " المقعد " ههنا المصدر، أي ؛ بقُعُودِهِمْ وإقامتهم بالمدينة. وقال ابنُ عبَّاسٍ : يريدُ : المدينة ؛ فعلى هذا هو اسمُ مكانٍ.
فإن قيل : إنَّهم احتالُوا حتى تخلَّفُوا عن رسول الله ؛ فكان الأولى أن يقال : فرح المتخلفون فالجوابُ من وجوه :
أحدها : أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام منع أقواماً من الخروج معه لعلمه أنَّهم يفسدون ويشوشون، وكان هذا في غزوة تبوك ؛ فهؤلاء كانوا مخلَّفين لا متخلِّفين.
وثانيها : أنَّ أولئك المتخلفين صارُوا مخلفين في قوله بعد هذه الآية :﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ [التوبة: ٨٣]، فلمَّا منعهم الله من الخروج صارُوا مخلفين.
وثالثها : أنَّ من يتخلَّف عن الرسول ﷺ بعد خروجه إلى الجهاد، يوصف بأنَّه مخلف من حيث إنَّهُ لم ينهض، وبقي وأقام.
قوله :﴿خِلاَفَ رَسُولِ الله﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدها : أنَّه منصوبٌ على المصدر بفعلٍ مقدرٍ مدلولٍ عليه بقوله " مَقْعدِهِمْ " ؛ لأنَّه في معنى تخلَّفوا، أي : تخلَّفوا خلاف رسول الله.
الثاني : أنَّ " خلاف " مفعولٌ من أجله، والعامل فيه إمَّا " فَرِحَ "، وإمَّا " مَقْعَد " أي : فَرِحُوا ؛ لأجل مخالفتهم رسول الله، حيثُ مضى هو للجهاد، وتخلَّفوا هم عنه، أو بقعودهم لمخالفتهم له، وإليه ذهب الطبريُّ، والزجاج، ومؤرِّج، وقطرُب، ويُؤيدُ ذلك قراءةُ من قرأ(١) " خُلْف " بضم الخاء وسكون اللاَّم.
والثالث : أن ينتصب على الظرف، أي : بعد رسول الله، يقال : أقام زيد خلاف القوم، أي : تخلَّف بعد ذهابهم.
قال الأخفش(٢) وأبو عبيدة : إنَّ " خلافَ " بمعنى :" خَلْف "، وأنَّ يونس رواه عن عيسى بن عمر ومعناه : بعد رسول الله. ويؤيده قراءة ابن عبَّاسٍ، وأبو(٣) حيوة، وعمرو بن ميمون " خَلْفَ " بفتح الخاءِ وسكون اللاَّمِ.
وعلى هذا القول، الخلاف : اسم للجهةِ المعينة كالخلف، وذلك أنَّ المتوجِّه إلى قُدَّامه فجهة خلفه مخالفة لجهة قُدَّامه في كونها جهة مُتوجِّهاً إليها، و " خِلافَ " بمعنى " خَلْف " مستعمل، وأنشد أبو عبيدة للأحوص :[ الكامل ]
عَقَبَ الرَّبيعُ خِلافَهُمْ فَكَأَنَّمَابَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا(٤)
وقول الآخر :[ الطويل ]
فَقُلْ للَّذِي يَبْقَى خلافَ الذي مَضَىتَأهَّبْ لأخْرَى مِثلهَا فكأنْ قَدِ(٥)
قوله تعالى :﴿وكرهوا أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي : إنَّهم فرحوا بسبب التخلف، وكرهُوا الذهاب إلى الغزو.
واعلم أنَّ الفرح بالإقامة يدل على كراهيةِ الذهاب، إلاَّ أنَّهُ أعاده للتَّأكيد، أو لعلَّ أن المراد أنَّ طبعه مال إلى الإقامة ؛ لأجل إلفه البلدة، واستثنائه بأهله وولده، وكره الخروج إلى الغزو ؛ لأنَّهُ تعريضٌ للمال والنفس للقتلِ، وأيضاً منعهم عن الخروج شدة الحرِّ في وقت خروج رسُولِ الله ﷺ، وهو المرادُ من قوله :﴿لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر﴾، فأجاب اللهُ عن هذا الأخير بقوله :﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي : يعلمون، وكذلك في مصحف عبد الله بن مسعود، أي : بعد هذه الدَّار، دار أخرى، وبعد هذه الحياة حياة أخرى، وأيضاً هذه مشقة منقضية، وتلك مشقة باقية.
وأنشد الزمخشريُّ لبعضهم :[ الطويل ]
مَسَرَّةَ أحْقابٍ تلقَّيْتُ بَعْدهَامسَاءةَ يَوْمٍ أريُهَا شَبَهُ الصَّابِ
فَكيفَ بأنْ تَلْقَى مسرَّةَ سَاعَةٍورَاء تَقَضِّيها مَسَاءَةُ أحْقَابِ(٦)
١ ينظر: المحرر الوجيز ٣/٦٦، البحر المحيط ٥/٨١، الدر المصون ٣/٤٨٧..
٢ ينظر: معاني القرآن للأخفش ٢/٣٣٤..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٢٩٦، المحرر الوجيز ٣/٦٦، البحر المحيط ٥/٨١، الدر المصون ٣/٤٨٧..
٤ البيت للحارث بن خالد المخزومي. ينظر: مجاز القرآن ١/٢٦٤، والطبري ١٤/٢٩٨ والتفسير الكبير ١٦/١٤٩، واللسان (خلف) و(عقب)، والبحر المحيط ٥/٨٠ والمحرر الوجيز ٣/٥٥٤..
٥ ينظر: معجم الشعراء ٦، والبحر المحيط ٥/٨٠، واللسان (خلف) والدر المصون ٣/٤٨٧..
٦ ينظر: الكشاف ٢/٢٠٥، والتفسير الكبير ١٦/١٤٩، ١٥٠، والبحر المحيط ٥/٧٩، والدر المصون ٣/٤٨٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى