محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
ثم أشار تعالى إلى نوع آخر من مساوئ المنافقين وهو جعلهم الفرح مكان الحزن، والكراهة مكان الرضا. بقوله سبحانه :
[ ٨١ ] ﴿فرح المخلّفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ٨١﴾.
﴿فرح المخلّفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ المخلفون : هم الذين استأذنوا رسول الله ﷺ، من المنافقين، فأذن لهم في التخلف كما قلنا، أو لأنه خلفهم في المدينة في غزوة تبوك. وإيثار ﴿المخلّفون﴾ على ( المتخلفون )، لأنه ﷺ منع بعضهم من الخروج، فغلب على غيرهم. أو المراد من خلفهم كسلبهم أو نفاقهم. أو لأن الشيطان أغراهم بذلك، وحملهم عليه.
وقوله تعالى :﴿بمقعدهم﴾ متعلق ب ﴿فرح﴾، أي بقعودهم عن غزوة تبوك. ف ( مقعد ) على هذا مصدر ميميّ، أو هو اسم مكان، والمراد به المدينة. وقوله :﴿خلاف رسول الله﴾ أي خلفه، وبعد خروجه، حيث خرج ولم يخرجوا. ف ﴿خلاف﴾ ظرف بمعنى خلف وبعد. يقال : فلان أقام خلاف الحيّ أي بعدهم، ظعنوا ولم يظعن. ويؤيده قراءة من قرأ ﴿خلف رسول الله﴾ فانتصابه على أنه ظرف ل ﴿مقعدهم﴾، إذ لا فائدة لتقييد فرحهم بذلك.
قال الشهاب : واستعمال ( خلاف ) بمعنى ( خلف ) لأن جهة الخلف خلاف الأمام، وجوز أن يكون ( الخلاف ) بمعنى ( المخالفة )، فهو مصدر ( خالف )، كالقتال. ويعضده قراءة من قرأ ﴿خلف رسول الله﴾ بضم الخاء، وفي نصبه وجهان :
الأول- أنه مفعول له، والعامل إما ﴿فرح﴾ أي فرحوا لأجل مخالفته عليه الصلاة والسلام بالقعود. وإما ﴿مقعدهم﴾ أي فرحوا بقعودهم لأجل مخالفته عليه الصلاة والسلام، فهو علة إما للفرح أو القعود.
والثاني أنه حال، والعامل أحد المذكورين، أي فرحوا مخالفين له عليه الصلاة والسلام بالقعود، أو فرحوا بالقعود مخالفين له.
وقوله تعالى :﴿وكرهوا﴾ الخ أي لما في قلوبهم من مرض النفاق.
قال أبو السعود : وإنما أوثر ما عليه النظم الكريم على أن يقال :( وكرهوا أن يخرجوا إلى الغزو ) إيذانا بأن الجهاد في سبيل الله، مع كونه من أجلّ الرغائب، وأشرف المطالب، التي يجب أن يتنافس بها المتنافسون، قد كرهوه، كما فرحوا بأقبح القبائح الذي هو القعود خلاف رسول الله ﷺ.
قال الزمخشري : في قوله تعالى :﴿وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم﴾ تعريض بالمؤمنين، وبتحملهم المشاق العظام لوجه الله تعالى، وبما فعلوا من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل الله تعالى، وإيثارهم ذلك على الدعة والخفض ( أي الراحة والتنعم بالمآكل والمشارب ) وكره ذلك المنافقون. وكيف لا يكرهونه ؟ وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان، وداعي الإيقان.
قال الشهاب : ووجه التعريض ظاهر، لأن المراد كرهوه، لا كالمؤمنين الذين أحبوه.
وقوله تعالى :﴿وقالوا لا تنفروا في الحرّ﴾ أي قالوا لإخوانهم لا تنفروا إلى الجهاد في الحر، فإنه لا يستطاع شدته. وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر، عند طيب الظلال والثمار، وذلك تثبيتا لهم على التخلف، وتواصيا فيما بينهم بالشر والفساد أو قالوا للمؤمنين تثبيطا لهم عن الجهاد، ونهيا عن المعروف، وإظهارا لبعض العلل الداعية لهم إلى ما فرحوا به من القعود. فقد جمعوا ثلاث خلال من خصال الكفر والضلال : الفرح بالقعود، وكراهية الجهاد، ونهي الغير عن ذلك أفاده أبو السعود-.
وقوله تعالى :﴿قل﴾ أي ردّا عليهم وتجهيلا لهم ﴿نار جهنم﴾ أي التي ستدخلونها / بما فعلتم ﴿أشد حرا﴾ أي مما تحذرون من الحر المعهود، وتحذّرون الناس منه، فما لكم لا تحذرونها، وتعرضون أنفسكم لها، بإيثار القعود على النفير.
وقوله تعالى :﴿لو كانوا يفقهون﴾ اعتراض تذييليّ من جهته تعالى، غير داخل تحت القول المأمور به، مؤكد لمضمونه. وجواب ( لو ) إما مقدر، أي لو كانوا يفقهون أنها كذلك، أو كيف هي ؛ أو أن مآلهم إليها- لما فعلوا ما فعلوا، أو لتأثروا بهذا الإلزام. وإما غير منويّ، على أن ( لو ) لمجرد التمني المنبئ عن امتناع تحقق مدخولها. أي لو كانوا من أهل الفطانة والفقه، كما في قوله تعالى(١) :﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ كذا في ( أبي السعود ) -.
تنبيهان
الأول- قال الزمخشريّ : قوله تعالى :﴿قل نار جهنم...﴾ الخ، استجهال لهم، لأن من تصوّن من مشقة ساعة، فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد، كان أجهل من كل جاهل. ولبعضهم(٢) :
مسرّة أحقاب تلقيت بعدهامساءة يوم، أريها(٣) شبه الصاب
فكيف بأن تلقى مسرة ساعةوراء تقضّيها مساءة أحقاب
-انتهى-.
أي فهم كما قال الآخر :
* كالمستجير من الرمضاء بالنار*
وقال آخر :
عمرك بالحمية أفنيتهخوفا من البارد والحار
وكان أولى لك أن تتقيمن المعاصي حذر النار
الثاني – روى الإمام مالك(٤) والشيخان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال :" نار بني آدم التي يوقدون بها، جزء من سبعين جزءا " - زاد الإمام أحمد :" من نار جهنم ".
وروى الشيخان(٥) عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله ﷺ :" إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة، لمن له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل. لا يرى أن أحدا من أهل النار أشد عذابا منه، وإنه أهونهم عذابا ".
١ [١٠ / يونس / ١٠١]..
٢ استشهد به في الكشاف.
قال الشارح: قوله (مسرة أحقاب) مبتدأ، خبره (أريها شبه الصّاب) والأحقاب: الأزمان الكثيرة، واحدها: حقب. والأري: العسل. والشبه: المثل. والصاب: نبت مرّ، وقيل: الحنظل. يقول: مسرة أزمان كثيرة، ترى بعدها مساءة يوم، هي في الحقيقة مثل الصاب مرارة. فكيف بأن تلقى مسرة ساعة وتقع، بسبب تلك المسرة، في مشقة الأبد؟.

٣ الأري ما لزق بأسفل القدر والعسل. والصاب: شجر مر (قاموس)..
٤ أخرجه مالك في الموطأ في: ٥٧- كتاب جهنم، حديث رقم ١ (طبعتنا).
وأخرجه البخاري في: ٥٩- كتاب بدء الخلق، ١٠- باب صفة النار وأنها مخلوقة، حديث رقم ١٥٤٥.
وأخرجه مسلم في: ٥١- كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث رقم ٣٠ (طبعتنا)..

٥ أخرجه البخاري في: ٨١- كتاب الرقاق، ٥١- باب صفة الجنة والنار، حديث ٢٤٦٥.
وأخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث رقم ٣٦٣ (طبعتنا).
.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى