البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿أو من ينشؤا في الحلية﴾ : أي ينتقل في عمره حالاً فحالاً في الحلية، وهو الحلى الذي لا يليق إلا بالإناث دون الفحول، لنزينهن بذلك لأزواجهن، وهو إن خاصم، لا يبين لضعف العقل ونقص التدبر والتأمل، أظهر بهذا لحقوقهن وشفوف البنين عليهن.
وكان في ذلك إشارة إلى أن الرجل لا يناسب له التزين كالمرأة، وأن يكون مخشوشناً.
والفحل من الرجال أبى أن يكون متصفاً بصفات النساء، والظاهر أنه أراد بمن ينشؤا في الحلية : النساء.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي : ويدل عليه قوله :﴿وهو في الخصام غير مبين﴾ : أي لا يظهر حجة، ولا يقيم دليلاً، ولا يكشف عما في نفسه كشفاً واضحاً.
ويقال : قلما تجد امرأة لا تفسد الكلام، وتخلط المعاني، حتى ذكر عن بعض الناس أنه قال : إذا دخلنا على فلانة، لا تخرج حتى نعلم أن عقلها عقل امرأة.
وقال ابن زيد : المراد بمن ينشؤا في الحلية : الأصنام، وكانوا يتخذون كثيراً منها من الذهب والفضة، ويجعلون الحلى على كثيرة منها، ويبعد هذا القول قوله :﴿وهو في الخصام غير مبين﴾، إلا إن أريد بنفي الإبانة نفي الخصام أي لا يكون منها خصام فإنه كقوله :
على لاحب لا يهتدى بمناره. . .
أي : لا منار له فيهتدى به.
ومن : في موضع نصب، أي وجعلوا من ينشأ.
ويجوز أن يكون في موضع رفع على الابتداء، أي من ينشأ جعلوه لله.
وقرأ الجمهور : ينشأ مبنياً للفاعل، والجحدري في قول : مبنياً للمفعول مخففاً، وابن عباس وزيد بن علي والحسن ومجاهد والجحدري : في رواية، والإخوان وحفص والمفضل وإبان وابن مقسم وهارون، عن أبي عمرو : مبنياً للمفعول مشدداً، والحسن : في رواية يناشؤ على وزن يفاعل مبنياً للمفعول، والمناشأة بمعنى الإنشاء، كالمعالاة بمعنى الإعلاء.
﴿وفي الخصام﴾ : متعلق بمحذوف تفسيره غير مبين، أي وهو لا يبين في الخصام.
ومن أجاز أما زيداً، غير ضارب بأعمال المضاف إليه في غير أجاز أن يتعلق بمبين، أجرى غير مجرى لا.
وبتقديم معمول أما بعد لا مختلف فيه، وقد ذكر ذلك في النحو.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى