تفسير الشعراوي — الشعراوي
عن الكتاب
تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
فَرْق بين تنزيل وإنزال ونزول؛ النزول هو الحدث الذي يأتي بشيء من أعلى إلى أدنى، والإنزال يدل على أن الذي أنزل أعلى من المُنزل إليه، أما التنزيل فيدل على النزول على فترات بحسب الأحوال.
فقوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] يعني: أنزلناه جملةً واحدة في أول رسالة محمد، ليباشر القرآنُ مهمته في الوجود، ثم نُزِّل بعد ذلك مُنجَّماً حَسْب الحاجة.
قال تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً [الإسراء: ١٠٥].
يعني: أنزلناه بالحق بداية، وظلَّ على الحق لم يستطع أحد أنْ يُغيِّره أو يُفسده؛ لأنه حقٌّ.
وهذه المادة نزل أو نزَّل أو أنزل، تدل كلها على عُلُو المنزِّل ودُنُو المنزل إليه، وتدل على أن شرف المنزَّل من شرف مَنْ أنزله، وتدل أيضاً على أن مَنْ أنزل المنهج القويم للمخلوق يريد أنْ يكرمه وأنْ يعلوَ به. إذن: دَلَّ الإنزال على شرف المنزِّل وعلو مكانته، وعلى شرف ما أُنزل وعلى شرف مَن اختاره الله، وجعله أهلاً لأنْ يُوجه إليه هذا الخير.
ومن ذلك قوله تعالى في أمة محمد: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠]...
و (الكتاب) أي: القرآن. فمرة يقول: الكتاب. ومرة: القرآن، دليل على أنه سيأخذ الوَصْفين معاً، فهو كتاب بمعنى مسجل ومكتوب يعني لا يُنكر، وهو قرآن بمعنى مقروء، فهو مُسجَّل في السطور ومحفوظ في الصدور، وهذه ستكون حجة علينا.
وقد علمنا الدقة التي اتبعها الصحابة في جمع القرآن من صدور الحفظة، فكانوا لا يكتبون آية إلا إذا قرأها اثنان من الحفظة واتفقا على صحتها، كذلك يشهد على صحتها اثنان بعد الكتابة، فدَلَّت هذه الدقة على حيثيات قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].
وكلمة (الكتاب) هكذا بأل التعريفية تدل على أنه الكتاب الكامل في الكتب، ولا تنصرف هذه الكلمة إلا إلى القرآن الكريم.
وقوله تعالى: مِنَ اللَّهِ [الزمر: ١] دل على أن التنزيل من أعلى لأدنى، لكن لماذا قال مِنَ اللَّهِ [الزمر: ١] ولم يقُل: من الرب؟ لأن هذا الكتاب جاء بمنهج للتربية، والرب هو المتولي للخَلْق وللتربية. قالوا: لأن الربوبية عطاء يشمل الجميع المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فالرب خلق الجميع الخَلْق المادي وأمدَّ الجميع، فالكل في عطاء الربوبية سواء.
أما المنهج الذي نزل به الكتاب، فهو منهج إيماني وخُلُقي وتعبُّدي من عطاء الألوهية، لا من عطاء الربوبية، لذلك قال في الكتاب: مِنَ اللَّهِ [الزمر: ١].
والله عَلَم على واجب الوجود، أما الأسماء الحسنى فهي أوصاف بلغت العظمة؛ لأنها لله تعالى وغلبتْ عليه، فصارت أسماء قال تعالى: وَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠] والجامع لها كلها لفظ الجلالة الله، فحين تقول الله كأنك ناديتَ الله بجميع أسمائه الحسنى؛ لذلك أمرنا أنْ نبدأ العمل بقول باسم الله، والعمل يحتاج إلى قوة وإلى علم وإلى حكمة وإلى عزة.. إلخ.
فلو كنتَ مُقبلاً على عمل يحتاج إلى عشرين صفة مثلاً فهل تقول: باسم القوي، باسم العليم، باسم الحكيم.. لا، لأن في وُسْعك أن تجمع كلَّ هذه الصفات في قولك باسم الله؛ لأن لفظ الجلالة هي الكلمة الجامعة لكل صفات الكمال، وتناسب كل ما يحتاجه العمل، وكل ما يتعلق بالفعل، مما تعرفه أنت ومما لا تعرفه.
لذلك قالوا: إياك أنْ تدعَ هذه الكلمة في بداية العمل...
إذن: قال سبحانه: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ لأن الكتاب نزل بمنهج وقيَم، ولم يقل: من الرب لأن الربَّ وصفٌ خاص بالمادة وبالقالب.
وقوله: الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ العزيز هو: الغني عن الخَلْق الذي لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، وجاء هذا الوصف بعد تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ لمناسبة، فكأن الحق سبحانه يقول لنا: اعلموا أنني متطوع بهذا المنهج الذي أنزلته عليكم، وأريد به سعادتكم في الدنيا ونعيمكم في الآخرة، أما طاعتكم لمنهجي فلا تزيد في ملكي شيئاً، لأنني الغني عنكم، فأنا العزيز عن خَلْقي...
إذن: قُلْ باسم الله، واعلم أنه عزيز عن هذه... فالحق سبحانه هو العزيز الذي يَغْلِب ولا يُغلب، وهو سبحانه يخلع من هذه الصفة على مَنْ يؤمن به، فللمؤمن عزة من عزة الله، أما غير المؤمن فيبحث عن عزة بالإثم استكباراً بلا رصيد... والحق سبحانه مع أنه الْعَزِيزِ.. الذي يَغلب ولا يُغلب، فهو سبحانه الْحَكِيمِ أي: الذي يضع الشيء في موضعه. ومن هذه الحكمة أنه سبحانه لا يطبع المؤمنَ على العزة الدائمة، ولا على الذِّلة الدائمة، كذلك لا يطبعه على الرحمة الدائمة، ولا على الشدة الدائمة، بل ينفعل للأحداث الإيمانية، كما قال سبحانه: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وقال: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة: ٥٤].
ومع أن هذه طباع في النفس إلا أنها مُعدَّلة بمنهج مَنْ خلقها، فإنْ كان الموقف يحتاج إلى رحمة فالمؤمن رحيم، وإنْ كان الموقف يحتاج إلى شدة. فالمؤمن شديد. إذن: هذا مظهر من مظاهر حكمة الخالق سبحانه، فإنْ قلتَ: هذه طباع، نعم طباع لكن مُعدَّلة بمنهج مَنْ خلقها.
فَرْق بين تنزيل وإنزال ونزول؛ النزول هو الحدث الذي يأتي بشيء من أعلى إلى أدنى، والإنزال يدل على أن الذي أنزل أعلى من المُنزل إليه، أما التنزيل فيدل على النزول على فترات بحسب الأحوال.
فقوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] يعني: أنزلناه جملةً واحدة في أول رسالة محمد، ليباشر القرآنُ مهمته في الوجود، ثم نُزِّل بعد ذلك مُنجَّماً حَسْب الحاجة.
قال تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً [الإسراء: ١٠٥].
يعني: أنزلناه بالحق بداية، وظلَّ على الحق لم يستطع أحد أنْ يُغيِّره أو يُفسده؛ لأنه حقٌّ.
وهذه المادة نزل أو نزَّل أو أنزل، تدل كلها على عُلُو المنزِّل ودُنُو المنزل إليه، وتدل على أن شرف المنزَّل من شرف مَنْ أنزله، وتدل أيضاً على أن مَنْ أنزل المنهج القويم للمخلوق يريد أنْ يكرمه وأنْ يعلوَ به. إذن: دَلَّ الإنزال على شرف المنزِّل وعلو مكانته، وعلى شرف ما أُنزل وعلى شرف مَن اختاره الله، وجعله أهلاً لأنْ يُوجه إليه هذا الخير.
ومن ذلك قوله تعالى في أمة محمد: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠]...
و (الكتاب) أي: القرآن. فمرة يقول: الكتاب. ومرة: القرآن، دليل على أنه سيأخذ الوَصْفين معاً، فهو كتاب بمعنى مسجل ومكتوب يعني لا يُنكر، وهو قرآن بمعنى مقروء، فهو مُسجَّل في السطور ومحفوظ في الصدور، وهذه ستكون حجة علينا.
وقد علمنا الدقة التي اتبعها الصحابة في جمع القرآن من صدور الحفظة، فكانوا لا يكتبون آية إلا إذا قرأها اثنان من الحفظة واتفقا على صحتها، كذلك يشهد على صحتها اثنان بعد الكتابة، فدَلَّت هذه الدقة على حيثيات قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].
وكلمة (الكتاب) هكذا بأل التعريفية تدل على أنه الكتاب الكامل في الكتب، ولا تنصرف هذه الكلمة إلا إلى القرآن الكريم.
وقوله تعالى: مِنَ اللَّهِ [الزمر: ١] دل على أن التنزيل من أعلى لأدنى، لكن لماذا قال مِنَ اللَّهِ [الزمر: ١] ولم يقُل: من الرب؟ لأن هذا الكتاب جاء بمنهج للتربية، والرب هو المتولي للخَلْق وللتربية. قالوا: لأن الربوبية عطاء يشمل الجميع المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فالرب خلق الجميع الخَلْق المادي وأمدَّ الجميع، فالكل في عطاء الربوبية سواء.
أما المنهج الذي نزل به الكتاب، فهو منهج إيماني وخُلُقي وتعبُّدي من عطاء الألوهية، لا من عطاء الربوبية، لذلك قال في الكتاب: مِنَ اللَّهِ [الزمر: ١].
والله عَلَم على واجب الوجود، أما الأسماء الحسنى فهي أوصاف بلغت العظمة؛ لأنها لله تعالى وغلبتْ عليه، فصارت أسماء قال تعالى: وَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠] والجامع لها كلها لفظ الجلالة الله، فحين تقول الله كأنك ناديتَ الله بجميع أسمائه الحسنى؛ لذلك أمرنا أنْ نبدأ العمل بقول باسم الله، والعمل يحتاج إلى قوة وإلى علم وإلى حكمة وإلى عزة.. إلخ.
فلو كنتَ مُقبلاً على عمل يحتاج إلى عشرين صفة مثلاً فهل تقول: باسم القوي، باسم العليم، باسم الحكيم.. لا، لأن في وُسْعك أن تجمع كلَّ هذه الصفات في قولك باسم الله؛ لأن لفظ الجلالة هي الكلمة الجامعة لكل صفات الكمال، وتناسب كل ما يحتاجه العمل، وكل ما يتعلق بالفعل، مما تعرفه أنت ومما لا تعرفه.
لذلك قالوا: إياك أنْ تدعَ هذه الكلمة في بداية العمل...
إذن: قال سبحانه: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ لأن الكتاب نزل بمنهج وقيَم، ولم يقل: من الرب لأن الربَّ وصفٌ خاص بالمادة وبالقالب.
وقوله: الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ العزيز هو: الغني عن الخَلْق الذي لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، وجاء هذا الوصف بعد تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ لمناسبة، فكأن الحق سبحانه يقول لنا: اعلموا أنني متطوع بهذا المنهج الذي أنزلته عليكم، وأريد به سعادتكم في الدنيا ونعيمكم في الآخرة، أما طاعتكم لمنهجي فلا تزيد في ملكي شيئاً، لأنني الغني عنكم، فأنا العزيز عن خَلْقي...
إذن: قُلْ باسم الله، واعلم أنه عزيز عن هذه... فالحق سبحانه هو العزيز الذي يَغْلِب ولا يُغلب، وهو سبحانه يخلع من هذه الصفة على مَنْ يؤمن به، فللمؤمن عزة من عزة الله، أما غير المؤمن فيبحث عن عزة بالإثم استكباراً بلا رصيد... والحق سبحانه مع أنه الْعَزِيزِ.. الذي يَغلب ولا يُغلب، فهو سبحانه الْحَكِيمِ أي: الذي يضع الشيء في موضعه. ومن هذه الحكمة أنه سبحانه لا يطبع المؤمنَ على العزة الدائمة، ولا على الذِّلة الدائمة، كذلك لا يطبعه على الرحمة الدائمة، ولا على الشدة الدائمة، بل ينفعل للأحداث الإيمانية، كما قال سبحانه: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وقال: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة: ٥٤].
ومع أن هذه طباع في النفس إلا أنها مُعدَّلة بمنهج مَنْ خلقها، فإنْ كان الموقف يحتاج إلى رحمة فالمؤمن رحيم، وإنْ كان الموقف يحتاج إلى شدة. فالمؤمن شديد. إذن: هذا مظهر من مظاهر حكمة الخالق سبحانه، فإنْ قلتَ: هذه طباع، نعم طباع لكن مُعدَّلة بمنهج مَنْ خلقها.