فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ الباء سببية متعلقة بالإنزال، أي : أنزلناه بسبب الحقّ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف هو حال من الفاعل، أي ملتبسين بالحق، أو من المفعول، أي ملتبساً بالحق، والمراد كلّ ما فيه من إثبات التوحيد، والنبوّة، والمعاد، وأنواع التكاليف. قال مقاتل : يقول لم ننزله باطلاً لغير شيء ﴿فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين﴾ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وانتصاب مخلصاً على الحال من فاعل اعبد، والإخلاص : أن يقصد العبد بعمله وجه الله سبحانه، والدين : العبادة والطاعة، ورأسها توحيد الله، وأنه لا شريك له. قرأ الجمهور :﴿الدين﴾ بالنصب على أنه مفعول مخلصاً. وقرأ ابن أبي عبلة برفعه على أن مخلصاً مسند إلى الدين على طريقة المجاز. قيل : وكان عليه أن يقرأ مخلصاً بفتح اللام. وفي الآية دليل على وجوب النية، وإخلاصها عن الشوائب ؛ لأن الإخلاص من الأمور القلبية التي لا تكون إلا بأعمال القلب، وقد جاءت السنة الصحيحة أن ملاك الأمر في الأقوال والأفعال النية، كما في حديث :«إنما الأعمال بالنيات » وحديث :«لا قول ولا عمل إلا بنية ».
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن مردويه عن يزيد الرقاشي أن رجلاً قال : يا رسول الله إنا نعطي أموالنا التماس الذكر، فهل لنا في ذلك من أجر ؟، فقال رسول الله ﷺ :«لا» قال : يا رسول الله إنما نعطي التماس الأجر والذكر فهل لنا أجر ؟، فقال رسول الله ﷺ :«إن الله لا يقبل إلا ما أخلص له» ثم تلا هذه الآية :﴿أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿يُكَوّرُ اليل﴾ قال : يحمل الليل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ قال : علقة ثم مضغة ثم عظاماً ﴿فِى ظلمات ثلاث﴾ البطن، والرحم، والمشيمة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى