الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ﴾ كراهة أن تقول.
فإن قلت : لم نكرت ؟ قلت : لأنّ المراد بها بعض الأنفس، وهي نفس الكافر. ويجوز أن يراد : نفس متميزة من الأنفس : إما بلجاج في الكفر شديد. أو بعذاب عظيم. ويجوز أن يراد التكثير، كما قال الأعشى :
وَرَبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِحَوِّهِأَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا
وهو يريد : أفواجاً من الكرام ينصرونه، لا كريماً واحداً. ونظيره : ربّ بلد قطعت، ورب بطل قارعت. وقد اختلس الطعنة ولا يقصد إلاّ التكثير. وقرىء :«يا حسرتي » على الأصل. ويا حسرتاي، على الجمع بين العوض والمعوّض منه. والجنب : الجانب، يقال : أنا في جنب فلان وجانبه وناحيته، وفلان لين الجنب والجانب، ثم قالوا : فرّط في جنبه وفي جانبه، يريدون في حقه. قال سابق البربري :
أَمَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ وَامِقٍلَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكَ تَقَطَّعُ
وهذا من باب الكناية ؛ لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه، فقد أثبته فيه. ألا ترى إلى قوله :
إنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوءَة وَالنَّدَىفِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الْحَشْرَجِ
ومنه قول الناس : لمكانك فعلت كذا، يريدون : لأجلك. وفي الحديث :" من الشرك الخفيّ أن يصلي الرجل لمكان الرجل " وكذلك : فعلت هذا من جهتك. فمن حيث لم يبق فرق فيما يرجع إلى أداء الغرض بين ذكر المكان وتركه، قيل :﴿فَرَّطَتُ فِى جَنبِ الله﴾ على معنى : فرطتُ في ذات الله.
فإن قلت : فمرجع كلامك إلى أن ذكر الجنب كلا ذكر سوى ما يعطى من حسن الكناية وبلاغتها، فكأنه قيل : فرطت في الله. فما معنى فرطت في الله ؟ قلت : لا بدّ من تقدير مضاف محذوف، سواء ذكر الجنب أو لم يذكر. والمعنى : فرطت في طاعة الله وعبادة الله، وما أشبه ذلك. وفي حرف عبد الله وحفصة : في ذكر الله. « وما » في« ما فرطت » مصدرية مثلها في ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ٢٥]، [التوبة: ١١٨]، ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين﴾ قال قتادة : لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها، ومحل ﴿وَإِن كُنتُ﴾ على النصب على الحال، كأنه قال : فرطت وأنا ساخر، أي : فرطت في حال سخريتي. وروى : أنه كان في بني إسرائيل عالم ترك علمه وفسق.
وأتاه إبليس فقال له : تمتع من الدنيا ثم تب، فأطاعه، وكان له مال فأنفقه في الفجور فأتاه ملك الموت في ألذّ ما كان فقال : يا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله، ذهب عمري في طاعة الشيطان، وأسخطت ربي فندم حين لم ينفعه الندم، فأنزل الله خبره في القرآن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى