المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿أن﴾ في هذه الآية مفعول من أجله أي أنيبوا وأسلموا من أجل أن تقول.
وقرأ جمهور الناس :«يا حسرتى » والأصل «يا حسرتي »، ومن العرب من يرد ياء الإضافة ألفاً فيقول : يا غلاماً ويا جاراً(١). وقرأ أبو جعفر بن القعقاع :«يا حسرتايَ » بفتح الياء، ورويت عنه بسكون الياء، قال أبو الفتح : جمع بين العوض والمعوض منه(٢). وروى ابن جماز عن أبي جعفر :«يا حسرتي » بكسر التاء وسكون الياء. قال سيبويه : ومعنى نداء الحسرة والويل، أي هذا وقتك وزمانك فاحضري. و :﴿فرطت﴾ معناه : قصرت في اللازم.
وقوله تعالى :﴿في جنب الله﴾ معناه : في مقاصدي إلى الله وفي جهة طاعته، أي في تضييع شريعته والإيمان به. والجنب : يعبر به عن هذا ونحوه. ومنه قول الشاعر :[ الطويل ]
أفي جنب بكر قطعتني ملامة. . . لعمري لقد طالت ملامتها بيا(٣)
ومنه قول الآخر :
الناس جنب والأمير جنب. . . (٤)
وقال مجاهد :﴿في جنب الله﴾ أي في أمر الله. وقول الكافر :﴿وإن كنت لمن الساخرين﴾ ندامة على استهزائه بأمر الله تعالى. والسخر : الاستهزاء.
١ قالوا: لأن الألف أخف من الياء، ولأنها تمكن من مد الصوت المناسب للاستغاثة..
٢ واستشهد أبو الفتح لذلك بكثير من الشواهد: منها قوله:"وهذا كمذهب أبي إسحق، وأبي بكر في قول الفرزدق:
هما نفثا في فيّ من فمويهما على النابح العاوي أشد رجام
وذلك انه جمع بين الميم والواو، وإنما الميم بدل من الواو"، قلت: والفرزدق يصف شاعرين من قومه، ويريد بالنابح العاوي من يهجوه الفرزدق في البيت، والرِّجام: الرجم بالحجارة، وهي بمعنى: المراجمة بها.
وأما قراءة إسكان الياء بعد الألف فقد قال عنها أبو الفتح أيضا:"هو على ما مضى من قراءة نافع- في الآية(١٦٢) في سورة (الأنعام):﴿محياي ومماتي﴾، على ان الياء هنا ضعيفة حيث عوض عنها بالألف، والسكون انسب لها من الفتحة".
لكن أبا الفضل الرازي يرى رأيا آخر، ذكره في (اللوامح)، يقول:" ولو ذهبت إلى أنه أراد تثنية الحسرة، مثل لبيك وسعديك، فكأنه يقول: يا حسرة بعد حسرة، لكثرة حسراتهم يومئذ-لكان مذهبا"..

٣ يستشهد ابن عطية بالبيت على أن (الجنب) يعبر به عن: الجانب والقرب والطريق والجوار، تقول: في جنب بكر، أي في جانبها وقربها وجوارها وطريق حياتها والولاء لها. واللوم: العذل، والملامة: مصدر(لام)، والقطيعة: الهجران، ضد الوصل، يقال: قطع رحمه قطيعة وقطعها: عقها ولم يصلها. ويروى البيت: "سُليمى" بدلا من "لعمري"، وفي البحر:(سُليمى، لقد كانت ملامتها ثناء)..
٤ هذا بيت من مشطور الرجز، وهو في اللسان(جنب)، قال:"والجنب: الناحية، وأنشد الأخفش:(الناس جنب والأمير جنب)، كأنه عدله بجميع الناس"، وكذلك ذكره في البحر، وفي القرطبي ذكر بيتا قبله، قال:
قُسم مجهودا لذاك القلب الناس جنب والأمير جنب
ولم ينسبه أحد ممن استشهد به. والمعنى الذي يستشهدون عليه معروف ومتكرر في اللغة، قالوا: وهو من باب الكناية، تقول: فعلت كذا لمكانك، أي: لأجلك، ومثله: فعلت كذا من جهتك؛ لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الإنسان وحيزه فقد أثبته فيه، وقال كثير:
أما تتقين الله في جنب عاشق له كبد حرّى عليك تقطع؟
ومن بابه المشهور:
إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى