تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي : خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، وهو آدم عليه السلام ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، وهي حواء، عليهما السلام، كقوله :﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].
وقوله :﴿وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي : وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية، أزواج وهي المذكورة في سورة الأنعام :﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤].
وقوله :﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي : قدركم في بطون أمهاتكم ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي : يكون أحدكم أولا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق فيكون لحما وعظما وعصبا وعروقا، وينفخ فيه الروح فيصير خلقا آخر، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
وقوله :﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ يعني : ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد - وظلمة البطن. كذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو مالك، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد وغيرهم.
وقوله :﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي : هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وخلقكم وخلق آباءكم، هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك، ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي : الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي : فكيف تعبدون معه غيره ؟ أين يُذْهَبُ بعقولكم ؟ !.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى