كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
﴿الْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي خالِقُهما، مُبتَدِئاً من غيرِ مثالٍ سبقَ، قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(مَا كُنْتُ أعْرِفُ مَا مَعْنَى فَاطِرِ حَتَّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرَابيَّانِ فِي بئْرٍ، فَقَالَ أحَدُهُمَا : أنَا فَطَرْتُهَا ؛ أيْ بَدَأتُهَا).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً﴾ ؛ قال بعضُهم : أرادَ به بالملائكةَ كلَّهم، فإنَّهم كلُّهم رسُلُ اللهِ بعضُهم إلى بعضٍ وبعضُهم إلى الإنسِ، وقالَ بعضُهم : أرادَ بذلك جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ وملَكُ الموتِ والحفَظَةَ، يرسلُهم إلى النبيِّين وإلى ما شاءَ من الأُمور.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلِي أَجْنِحَةٍ﴾ ؛ صفةُ الملائكةِ أي ذوي أجنحةٍ، ﴿مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾، منهم مَن له جَناحَان، ومنهم مَن له ثلاثةٌ، ومنهم من له أربعةٌ، اختارَهم الله تعالى لرِسالَتهِ من حيث عَلِمَ أنَّهم لا يُبدِّلون.
وقولهُ تعالى :﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾ ؛ أي يزيدُ في أجنحةِ الملائكة ما يشاءُ، فمِنهُم من له مائةُ ألفِ جَناحٍ، ومنهم من له أكثرُ، وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ؛ قال :" رَأى النَّبيُّ ﷺ جِبْرِيلَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ".
وعن ابنِ شِهَابٍ قال :" سَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَتَرَاءَى لَهُ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : إنَّكَ لَنْ تُطِيقَ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ :" إنِّي أُحِبُّ أنْ تَفْعَلَ " فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمُصَلَّى فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فِي صُورَتِهِ، فَغَشِيَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ حِينَ رَآهُ، ثُمَّ أفَاقَ وَجِبْرِيلُ مُسْنِدُهُ إلَيْهِ وَاضِعٌ إحْدَى يَدَيْهِ عَلَى صَدْرهِ وَالأُخْرَى بَيْنَ كَتِفَيْهِ. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ :" سُبْحَانَ اللهِ مَا كُنْتُ أرَى شَيْئاً مِنَ الْخَلْقِ هَكَذا " فَقَالَ جِبْرِيلُ عليه السلام : كَيْفَ لَوْ رَأيْتَ إسْرَافِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! لَهُ اثْنَا عَشَرَ جَنَاحاً، جَنَاحٌ بالْمَشْرِقِ وَجَنَاحٌ بالْمَغْرِب وَالْعَرْضُ عَلَى كَاهِلِهِ ".
وعن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قالَ :(إنَّ للهِ تَعَالَى مَلَكاً يَسَعُ الْبحَارَ كُلُّهَا فِي نَقْرَةِ إبْهَامِهِ). وَقِيْلَ : معنى قولهِ ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾ يعني حُسنَ الصَّوتِ، كذلك قال الزهريُّ، وقال قتادةُ :(هِيَ الْمَلاَحَةُ فِي الْعَيْنَيْنِ وَالشَّعْرِ الْحَسَنِ وَالْوَجْهِ الْحَسَنِ وَالْخَطِّ الْحَسَنِ).
وقولهُ تعالى ﴿وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ في موضعِ خفضٍ ؛ لأنه لا يتصرَّفُ. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ أي قادرٌ على ما يزيدُ على الزيادةِ والنُّقصانِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى