الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
والدُّخان : ما ارتفع مِنْ لَهَبِ النار، ويُسْتعار لِما يُرى مِنْ بخارِ الأرضِ عند جَدْبِها. وقياسُ جَمْعِه في القلةِ : أَدْخِنة، وفي الكثرة : دِخْنان نحو غُراب وأَغْرِبة وغِربان، وشذُّوا في جَمْعِه على دواخِن. قيل : هو جمعُ داخِنة تقديراً على سبيلِ الإِسناد المجازيِّ. ومثله : عُثان وعَواثِن.
قوله :" وهي دُخانٌ " من باب التشبيهِ الصُّوري ؛ لأن صورتِها صورةُ الدخان في رأي العَيْنِ.
قوله :" أَتَيْنا " قرأ العامَّةُ " ائْتِيا " أمراً من الإِتْيان، " قالتا أَتَيْنا " منه أيضاً. وقرأ ابنُ عباس وابنُ جبير ومجاهدٌ :" آتِيا قالتا آتَيْنا " بالمدِّ فيهما. وفيه وجهان، أحدُهما : أنه من المُؤَاتاة، وهي الموافَقَةُ أي : ليوافِقْ كلٌّ منكما الأخرى لِما يليقُ بها، وإليه ذهب الرازي والزمخشري. فوزنُ " آتِيا " فاعِلا كقاتِلا، و " آتَيْنا " وزنُه فاعَلْنا كقاتَلْنا. / والثاني : أنَّه من الإِيْتاء بمعنى الإِعطاء، فوزنُ آتِيا أَفْعِلا كأَكْرِما، ووزن آتَيْنا أَفْعَلْنا كأَكْرَمْنا. فعلى الأول يكونُ قد حَذَفَ مفعولاً، وعلى الثاني يكونُ قد حَذَفَ مفعولَيْن إذ التقدير : أَعْطِيا الطاعةَ مِنْ أنفسكما مَنْ أَمَرَكما. قالتا : أَعْطَيْناه الطاعة.
وقد مَنَع أبو الفضل الرازيُّ الوجهَ الثاني. فقال :" آتَيْنا " بالمَدِّ على فاعَلْنا من المُؤاتاة، بمعنى سارَعْنا، على حَذْفِ المفعولِ به، ولا تكونُ من الإِيتاء الذي هو الإِعطاءُ لبُعْدِ حَذْفِ مفعولَيْه ". قلت : وهذا هو الذي مَنَعَ الزمخشريِّ أَنْ يَجْعَلَه من الإِيتاء.
قوله " طَوْعاً أو كَرْهاً " مصدران في موضعِ الحال أي : طائِعتين أو مُكْرَهَتَيْن. وقرأ الأعمشُ " كُرْهاً " بالضم. وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في النساء.
قوله :" قالتا " أي : قالَتِ السماء والأرض. وقال ابنُ عطية :" أراد الفرقتَيْن المذكورتَيْن. جَعَلَ السماواتِ سماءً، والأرضين أرضاً، وهو نحوُ قولِ الشاعر :
٣٩٤٨ ألم يُحْزِنْكَ أنَّ حبالَ قوميوقومِك قد تبايَنَتا انْقِطاعا
عَبَّر عنهما ب " تَباينتا ". قال الشيخ :" وليس كما ذَكَر ؛ لأنه لم يتقدَّمْ إلاَّ ذِكْرُ الأرضِ مفردةً والسماءِ مفردةً، فلذلك حَسُن التعبيرُ بالتثنيةِ. وأمَّا البيتُ فكأنه قال : حَبْلَيْ قومي وقومِك، وأنَّثَ في " تبايَنَتا " على المعنى لأنه عنى بالحبالِ المودَّة ".
قوله :" طائِعِين " في مجيئِه مجيءَ جَمْعِ المذكرِين العقلاءِ وجهان، أحدهما : أنَّ المرادَ : أَتيا بمَنْ فيهما من العقلاء وغيرِهم، فلذلك غَلَّب العقلاءَ على غيرِهم، وهو رَأْيُ الكسائيِّ. والثاني : أنه لمَّا عامَلهما معاملةَ العقلاء في الإِخبارِ عنهما والأمرِ لهما جُمِعا كجَمْعِهم، كقولِه :﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وهل هذه المحاوَرَةُ حقيقةٌ أو مجازٌ ؟ وإذا كانت مجازاً فهل هو تمثيلٌ أو تخييلٌ ؟ خلافٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى