التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم حكى - سبحانه - ما يقال لهؤلاء الكافرين يوم القيامة من جهته - تعالى - أو من جهة جوارحهم التى شهدت عليهم فقال - تعالى - :﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله :﴿تَسْتَتِرُونَ﴾ من الاستتار بمعنى الاستخفاء، " وما " نافية. وقوله :﴿أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ...﴾ فى موضع نصب على نزع الخافض أى : من أن يشهد عليكم.. أو مفعول لأجله.
أى : مخافة أو خشية أن يشهد عليكم سمعكم.
والمعنى : أن جوارحهم تقول لهم يوم القيامة على سبيل التبكيت : أنتم - أيها الكافرون - لم تكونوا فى الدنيا تخفون أعمالكم السيئة، خوفا من أن نشهد عليكم ولكنكم كنتم تخفونها.
لاعتقادكم أن الله - تعالى - لا يعلم ما تخفونه من أعمالكم، ولكنه يعلم ما تظهرونه منها.
وما حملكم على هذا الاعتقاد الباطل إلا جهلكم بصفات الله - تعالى - وكفركم باليوم الآخر وما فيه من حسبا وجزاء، واستبعادكم أننا سنشهد عليكم.
قال القرطبى : قوله - تعالى - :﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ...﴾ يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم، ويجوز أن يكون من قول الله - تعالى - لهم، أو الملائكة.
وفى صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : اجتمع عند البيت ثلاثة نفر، قرشيان وثقفى، - أى شخص من قبيلة ثقيف - أو ثقيفان وقرشى، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم. فقال أحدهم : أترون الله - تعالى - يسمع ما نقول : فقال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا.
فأنزل الله - عز وجل - :﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾.
فالآية الكريمة تنعى على المشركين جهالاتهم الفاضحة، حيث ظنوا أن الله - تعالى - لا يعلم الكثير من أعمالهم، وتنبه المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن يعلموا أن الله - تعالى - معهم، ولا يخفى عليه شئ من أقوالهم أو أفعالهم، وأنه - سبحانه - يعلم السر، وأخفىورحم الله من قال :
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل... خلوت. ولكن قل : على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة... ولا أن ما يخفى عليك، يغيب

تفسير هذه الآية من كتب أخرى