تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
وقوله :( يوم يأت ) وقرئ :" يوم يأتي " بالياء. وحكى الخليل وسيبويه أن العرب تقول : لا أدر، أي : لا أدري. وذكر الفراء أن العرب تجتزيء بالكسرة عن الياء بعدها. وقوله :( لا تكلم نفس إلا بإذنه ) في الآية سؤال معروف وهو : أن الله تعالى قد قال في ( موضع ) (١) آخر :( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) (٢) وقال هاهنا :( لا تكلم نفس إلا بإذنه ) فكيف وجه التوفيق بينهما ؟
الجواب : قد ذكرنا أن في القيامة مواقف ؛ ففي موقف يتكلمون ويتساءلون، وفي موضع يسكتون ولا يتكلمون، وفي موقف يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم، وقيل غير هذا، وقد بينا.
وقوله :( فمنهم شقي وسعيد ) الشقاوة : قوة أسباب البلاء، والسعادة : قوة أسباب النعمة. ومعنى الآية هاهنا عند أهل السنة : فمنهم شقي سبقت له الشقاوة، ومنهم سعيد سبقت له السعادة.
وفي الأخبار المسندة : أن عبد الرحمن بن عوف لما حضرته الوفاة أغمي عليه، فلما أفاق قال : أتاني ملكان فظان غليظان وجراني وقالا : تعال نحاكمك إلى العزيز الأمين، قال : فلقيهما ملك وقال : أين تريدان به ؟ قالا : نحاكمه إلى العزيز الأمين، فقال لهما : خليا عنه، فإنه ممن سبقت له السعادة في الذكر الأول.
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال في خبر ملك الأرحام :«إنه إذا كتب أجله وعمله ورزقه يقول : يا رب، أشقي أم سعيد ؟ فيقول الله تعالى، ويكتب الملك ». خرجه مسلم(٣).
وروى ابن عمر عن عمر - رضي الله عنهما - «أنه لما نزل قوله تعالى :( فمنهم شقي وسعيد ) قال عمر : يا رسول الله : فيم العمل ؟ أنعمل في أمر قد فرغ منه وجرت به الأقلام، أو في أمر لم يفرغ منه ؟ فقال : بل في أمر قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له ». أورده أبو عيسى في جامعه(٤).
وقال بعضهم : إن السعادة والشقاوة هاهنا في الرزق والحرمان. وقال بعضهم : الشقاوة : بالعمل السيء، والسعادة : بالعمل الحسن. والمأثور الصحيح هو الأول.
١ - في "ك": مواضع..
٢ - الصافات: ٢٧..
٣ - مسلم (١٦/٢٩٢-٢٩٤ رقم ٢٦٤٣)، وهو عند البخاري أيضا (٦/٥٩ رقم ٣٢٠٨) كلاهما من حديث ابن مسعود..
٤ - رواه الترمذي (٥/٢٧٠ رقم ٣١١١)، وقال: حسن غريب من هذا الوجه، والطبري (١٢/٧٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١/٧٤ رقم ١٧٠)، (١/٨٠ رقم ١٨١)، وعزاه السيوطي في الدر (٣/٣٧٩) لأبي يعلى، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى