فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب
عن الكتاب
قرىء :«يوم يأت » بغير ياء. ونحوه قولهم : لا أدر، حكاه الخليل وسيبويه. وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل. فإن قلت : فاعل يأتي ما هو ؟ قلت : الله عز وجل، كقوله :﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله﴾ [البقرة: ٢١٠]، ﴿أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] وتعضده قراءة :«وما يؤخر » بالياء. وقوله :﴿بِإِذْنِهِ﴾ ويجوز أن يكون الفاعل ضمير اليوم، كقوله تعالى :﴿أو تَأْتِيَهُمُ الساعة﴾ [يوسف: ١٠٧]. فإن قلت : بما انتصب الظرف ؟ قلت : إمّا أن ينتصب بلا تكلم. وإما بإضمار «اذكر » وإمّا بالانتهاء المحذوف في قوله :﴿إِلا لأجل معدود﴾ [هود: ١٠٤] أي ينتهي الأجل يوم يأتي، فإن قلت : فإذا جعلت الفاعل ضمير اليوم، فقد جعلت اليوم وقتاً لإتيان اليوم وحدّدت الشيء بنفسه قلت : المراد إتيان هوله وشدائده ﴿لاَ تَكَلَّمُ﴾ لا تتكلم، وهو نظير قوله :﴿لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن﴾ [النبأ: ٣٨]. فإن قلت : كيف يوفق بين هذا وبين قوله تعالى :﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] وقوله تعالى :﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، قلت : ذلك يوم طويل له مواقف ومواطن، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها : يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم ﴿فَمِنْهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف ولم يذكروا ؛ لأنّ ذلك معلوم، ولأنّ قوله :﴿لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يدل عليه، وقد مرّ ذكر الناس في قوله :﴿مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس﴾ [هود: ١٠٣] والشقى الذي وجبت له النار لإساءته، والسعيد الذي وجبت له الجنة لإحسانه.