تفسير الشعراوي — الشعراوي

عن الكتاب
يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك :
﴿إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير( ١١ )﴾ :
وكلمة ﴿صبروا﴾(١) هنا موافقة للأمرين اللذين سبقا في الآيتين السابقتين، فهناك نزع الرحمة، وكذلك هناك " نعماء " من بعد " ضرّاء "، وكلا الموقفين يحتاج للصبر ؛ لأن كلا منا مقدور للأحداث التي تمر به، وعليه أن يصبر لملحظية حكمة القادر سبحانه.
وبدأ الحق سبحانه وتعالى هذه الآية بالاستثناء، فقال جلا وعلا :﴿إلا الذين صبروا.. ( ١١ )﴾[ هود ] : ولولا هذا الاستثناء لكان الكل-كل البشر- ينطبق عليهم الحكم الصادر في الآيتين السابقتين، حكم باليأس والكفر، أو الفرح والفخر دون تذكّر واهب النعم سبحانه.
ولكن هذا الاستثناء قد جاء ليطمئن الذين صبروا على ما قد يصيبهم في أمر الدعوة، أو ما يصيبهم في ذواتهم ؛ لا من الكافرين ؛ لكن بتقدير العزيز العليم.
أو أنهم صبروا عن عمل إخوانهم المؤمنين.
إذن : فالصبر معناه حدّ النفس بحيث ترضى عن أمر مكروه نزل بها(٢). والأمر المكروه له مصادر عدة، منها :
*أمر لا غريم(٣) لك فيه كالمرض مثلا.
*أو أن يكون لك غريم في الأمر ؛ كأن يسرق منك متاع، أو يعتدى عليك، وفي هذه الحالة تنشغل برغبة الانتقام، وتتأجج نفسك برغبة النيل من هذا الغريم، أكثر مما تتأجج في حالة عدم وجود الغريم، فحين يمرض الإنسان فلا غريم له.
وفي حالة الرغبة في الانتقام فالصبر يختلف عن الصبر في حالة عدم وجود الغريم.
ولذلك عرض الحق سبحانه وتعالى لتأتي الصبر حسب هذه المراحل، فسيدنا لقمان يقول لابنه :﴿.. واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور(٤)( ١٧ )﴾[ لقمان ].
وفي موضع آخر يقول الحق سبحانه :﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور( ٤٣ )﴾[ الشورى ] : وفي هذه الآية " لام " التوكيد لتؤكد أن هذا الأمر يحتاج إلى عزم قوى ؛ لأن لي فيها غريما يثير غضبي.
فساعة أرى من ضربني أو أهانني أو سرقني أو أساء إليّ إساءة بالغة فالأمر هنا يحتاج صبرا وقوة وعزيمة.
أما في الحالة الأولى-حالة عدم وجود غريم-فالحق سبحانه يكتفي فقط بالقول الكريم :﴿واصبر على ما أصابك.. ( ١٧ )﴾[ لقمان ].
ولكنه سبحانه أضاف في الآية الأخرى " اللام " لتأكيد العزم، وليضيف سبحانه في حالة وجود غريم طلب الغفران، فيقول سبحانه :﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور( ٤٣ )﴾[ الشورى ] : وهكذا نجد المستثنى، وهم الصابرون على ألوانهم المختلفة.
وهنا يقول سبحانه :﴿إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات.. ( ١١ )﴾[ هود ] : وما دام هنا صبر، فالصبر لا يكون إلا على إيذاء. ولكن إياك أن يكون الإيذاء من خصمك في الإيمان، أو من خصمك في ما دون الإيمان، صارفا لك عن نشاطك في طاعة الله سبحانه ؛ لأن الصبر لا يعني أن تكبت غضبك وتعذب نفسك بهذا الكبت بما يصرفك عن مهامك في الحياة، بل يسمح لك الحق سبحانه أن تتخلص من غلك وحقدك، بمعايشة الإيمان الذي يخفف من غلواء الغضب.
ولكسر حدة الغل أباح لك الحق سبحانه وتعالى أن تعتدي على من اعتدى عليك بمثل ما اعتدى ؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يريد لك أن تظل في حالة غليان بالغضب أو القهر بما يمنعك من العمل، بل يريد الحق سبحانه أن تتوجه بطاقاتك إلى أداء عملك.
ولذلك لا يلزمك الحق سبحانه إلا بحكم العدل فيقول عز وجل :﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم.. ( ١٩٤ )﴾[ البقرة ].
ولكن هناك القادر على التحكم في نفسه، ولذلك يقول الحق سبحانه :﴿والكاظمين الغيظ(٥).. ( ١٣٤ )﴾[ آل عمران ] : ومعنى كظم الغيظ : أن الغيظ موجود، لكن صاحبه لا يتحرك بنزوع انتقامي، مثلما تقول :" كظمت القربة " لأن حامل القربة لو لم يكظم الماء فيها، لتفلّت الماء منها، أي : أنه يحبس الماء فيها.
وكظم الغيظ درجة ومنزلة، قد لا تكون إيجابية ؛ لأن الغيظ ما زال موجودا ؛ ولذلك تأتي مرحلة أرقى، وتتمثل في قول الحق سبحانه :﴿والعافين عن الناس.. ( ١٣٤ )﴾[ آل عمران ] : أي : أن تخرج الغيظ من قلبك وتتسامح.
إذن : فأنت هنا أمام مراحل ثلاث : أن تردّ الاعتداء عليك بمثله، والمثليّة في رد الاعتداء أمر لا يمكن أن يتحقق، فمن صفعك صفعة، كيف تستطيع أن تضبط كمية الألم في الصفعة التي تردها إليه ؟
إن المتحكم في ردّ الاعتداء هو الغضب، والغضب لا يقيس الاعتداء بمثله، فلا يتحقق العدل المطلوب ؛ لهذا يكون الصبر خيرا مصدقا لقوله تعالى :﴿.. ولئن صبرتم لهو خير للصابرين( ١٢٦ )﴾[ النحل ] : فإن أزدت من قوة صفعتك تكون معتديا.
ولعلنا نذكر مسرحية " تاجر البندقية " لشكسبير، وبطلها هذا التاجر اليهودي الذي أقرض رجلا مالا، وكان صكّ القرض يفرض أن يقتطع اليهودي رطلا(٦) من لحم المقترض إن تأخّر في السداد.
وتأخر المقترض في السداد، وأراد المرابي اليهودي أن يقتطع رطلا من لحم المقترض، وعرض الأمر على القاضي، وكان القاضي رجلا حكيما، وأراد أن يصدر حكما يلتمس فيه العدالة، فقال القاضي : لا مانع أن تأخذ رطلا من لحم الرجل ؛ هات السكين، واقطع رطلا واحدا بلا زيادة أو نقصان ؛ لأننا سنأخذ مقابل تلك الزيادة من لحمك أنت وبنفس السكين، وكذلك إن قطعت من اللحم ما يقل عن الرطل، فسنقطع الناقص لك من لحمك أنت عقابا لك.
وتردّد المرابي اليهودي ؛ لأن الجزار-أيّ جزار-لا يمكن أن يضبط يده ليقطع رطلا مكتمل الوزن، بل يقطع أحيانا ما يزيد عن الوزن المطلوب، ويقطع أحيانا ما يقل عن الوزن المطلوب، ثم يكمل أو ينقص الوزن حسب كل حالة.
وانسحب المرابي اليهودي وتنازل عن دعواه، والذي دفعه إلى ذلك هو عدم قدرته على أخذ المثل، فلو كان قد ارتقى قليلا في مشاعره لما وصل إلى هذا الحكم.
والحق سبحانه وتعالى يحضنا(٧) على أن نرد العدوان بمثله، وأن أردنا الارتقاء فلنكظم الغيظ، وإن أردنا الارتقاء أكثر فلنخرج الغيظ من القلب ولكن من العافين عن الناس(٨) ؛ لننال محبة الله تعالى ؛ لأنه سبحانه يقول :
﴿.. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين( ١٣٤ )﴾[ آل عمران ] : وفي هذا يرتقي المؤمن بمنهج الله سبحانه، فيجعل المعتدى عليه هو الذي يحسن.
وحين تريد أن تفسر حب الله سبحانه للمحسنين فلسفيا أو منطقيا أو اقتصاديا، ستجد القضية صحيحة، والله سبحانه وتعالى يقول :﴿وليعفوا وليصفحوا(٩) ألا تحبون أن يغفر الله لكم(١٠).. ( ٢٢ )﴾[ النور ] : فإن أساء(١١) أخوك إليك سيئة، فإما أن ترد بالمثل، أو تكظم الغيظ أو ترقى إلى العفو، وبذلك تكون من المحسنين ؛ لأنك إذا كنت قد ارتكبت سيئة، وعلمت أن الله سبحانه وتعالى يغفرها لك، ألا تشعر بالسرور ؟
إذن : فما دمت تريد أن يغفر الله تعالى لك السيئة عنده، فلماذا لا تعفو عن سيئة أخيك في حقك ؟
وقول الحق سبحانه :﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم.. ( ٢٢ )﴾[ النور ] : وقد جاء الحق سبحانه هنا من ناحية النفس، فجعل عفو العبد عن سيئة العبد بحسنة، فلعفو العبد ثمن عند الله تعالى ؛ لأن العبد سيأخذ مغفرة الله تعالى، وفوق ذلك فأنت تترك عقاب المسيء والانتقام منه لربك، وعند التسليم له راحة.
ولو اقتصصت أنت ممن أساء إليك، فقصاصك على قدر قوتك، أما إن تركته إلى قدرة الله تعالى، فهذا أصعب وأشق ؛ لأنك تركته إلى قوة القوى.
وهكذا ينال العافي عن المسيء مرتبة راقية ؛ لأنه جعل الله-سبحانه وتعالى-في جانبه.
وهناك من يقول : كيف يأمر الدين الناس بأن يحسنوا لمن أساء إليهم ؟
ويعلل ذلك بأنه أمر ضد النفس.
ونقول : إن الإحسان إلى المسيء هو مرحلة ارتقاء، وليست تكليفا(١٢) أصيلا ؛ لأن الحق سبحانه قد أباح أن نرد العدوان بمثله، ثم حث المؤمن على أن يكظم غيظه، أو يرتقي إلى العفو وأن يصل إلى الإحسان، وكل هذه ارتقاءات اليقين بالله سبحانه وتعالى.
وانظر إلى نفسك-ولله المثل الأعلى ومنزّه سبحانه عن كل مثل-إن أردت أن تطبق الأمر على ذاتك حين تجد ولدا من أولادك قد اعتدى على أخيه، فقلبك وعواطفك وتلطفاتك تكون مع المعتدي عليه.
ومن يقول : كيف يكلّفني الشرع بأن أحسن إلى من أساء إليّ ؟
نقول له : تذكّر قول الحسن البصري رضي الله عنه(١٣) :" أفلا أحسن لمن جعل الله في جانبي ".
ولو طبّق العالم هذه القاعدة بيقين وإخلاص لصارت الحياة على الأرض جنة معجلة، التسامح، قوامها القرب، ومنهجها الحب.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه وتعالى :﴿إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير( ١١ )﴾[ هود ].
وإن تساءل أحد : ولماذا ينالون المغفرة ؟
نقول : لأنهم صبروا وغفروا ؛ لذلك يهديهم الله تعالى مغفرة من عنده، لأنه صبر على الإساءة، وغفر لمن أساء، فلا بد أن يثيبه الله تعالى، لا بالمغفرة فقط، ولكن بالأجر الكبير أيضا(١٤).
١ والذين صبروا ماضيا، وصابروا حالا ومستقبلا هم أهل الفلاح مصدقا لقوله تعالى:﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون(٢٠٠)﴾[آل عمران]..
٢ ويكون الصبر مطلوبا أيضا عند امتناع النعمة امتحانا لإيمان المؤمن فعن أبي سعيد الخدري أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده:"ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر" متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه(٦٤٧٠) ومسلم في صحيحه(١٠٥٣) كتاب الزكاة..
٣ الغريم: الدائن، والمدين. والجمع: غرماء. والمراد بالغريم هنا: الخصم أو العدو.[اللسان، والمعجم الوسيط] بتصرف..
٤ والصبر: إما صبر على المأمورات أو صبر على المحذورات، أو صبر على المقدرات، فمن توافرت فيه هذه المقامات كل من أهل العزم. وعزم الأمور معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها.[تفسير الجلالين]..
٥ الكاظمين الغيظ: الحابسين غيظهم في قلوبهم.[كلمات القرآن].
وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من كظم غيظا، وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله سبحانه وتعالى على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور ما شاء" أخرجه أحمد في مسنده (٣/٤٤٠) وأبو داود في سننه(٤٧٧٧) والترمذي في سننه(٢٤٩٣، ٢٠٢١) وقال: حسن غريب..

٦ الرطل: معيار يوزن به أو يكال، يختلف باختلاف البلاد، وهو في مصر اثنتا عشرة أوقية، والأوقية اثنا عشر درهما. والجمع: أرطال.[المعجم الوسيط]..
٧ الحض: الحث والتشجيع على فعل شيء.[اللسان] بتصرف، وقال تعالى:﴿إنه كان لا يؤمن بالله العظيم(٣٣) ولا يحض على طعام المسكين(٣٤)﴾[الحاقة]..
٨ عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من سره أن يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه"أخرجه الحاكم في مستدركه (٢/٢٩٥) عن أبي بن كعب وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قال الذهبي:"فيه أبو أمية ضعفه الدارقطني وإسحاق لم يدرك عبادة"..
٩ صفح عن رجل: أعرض عنه أو عفا عنه ولم يؤاخذه بذنبه. قال تعالى:﴿.. وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم(١٤)﴾[التغابن]. وقال تعالى:﴿.. وإن الساعة آتية فاصفح الجميل(٨٥)﴾[الحجر].[اللسان] بتصرف..
١٠ تمام الآية:﴿ولا يأتل أولا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم(٢٢)﴾[النور].
وقد نزلت هذه الآية في شأن أبي بكر الصديق الذي حلف أن لا يعطي ابن خالته مسطح بن أثاثة ما كان يعطيه من قبل من النفقة بسبب ما تكلم به في حق عائشة مع من تكلم، وهو ما يسمى بحادثة الإفك. فأنزل سبحانه الآية، فقال أبو بكر: والله إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع على مسطح النفقة التي كانت عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا. راجع تفسير ابن كثير (٣/٢٧٥) وأسباب النزول للواحدي (ص ١٨٥) ط. المكتبة الثقافية..

١١ أساء إساءة: فعل السوء ضد أحسن، وأساء العمل لم يحسنه، والمسيء اسم فاعل من أساء، والسيئ القبيح، والمنكر، والسيئة: مؤنث السيئ بمعنى القبيح. والسوءة: ما يقبح إظهاره وينبغي ستره "القاموس القويم" باختصار..
١٢ لأن التكليف إلزام، والعفو من الفضل، وفي التعامل بالفضل ارتقاء..
١٣ هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي، كان إمام أهل البصرة، وحبر الأمة في زمنه، وهو أحد العلماء الفقهاء النساك. ولد بالمدينة ٢١ هـ، وشب في كنف علي بن أبي طالب، كان يدخل على الولاة يأمرهم وينهاهم، سكن البصرة وتوفي بها عام ١١٠ هـ عن ٩٠ عاما..
١٤ ومغفرة الله في مقابل صبر العبد وغفرانه لإساءة المسيء محدودة بحدود طاقة البشر، أما غفران الله ففيه شمول الكريم وعفو الحكيم؛ لأن عفوه مصحوب بالأجر، والجر كبير من أكبر وهو الله سبحانه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى