جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَأَقِمِ الصّلاَةَ طَرَفَيِ النّهَارِ وَزُلَفاً مّنَ الْلّيْلِ إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّيّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَىَ لِلذّاكِرِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ :﴿وأقم الصلاة﴾، يا محمد، يعني : صلّ، ﴿طرفي النهار﴾، يعني : الغداة والعشي.
واختلف أهل التأويل في التي عنيت بهذه الآية من صلوات العشي، بعد إجماع جميعهم على أن التي عنيت من صلاة الغداة : الفجر.
فقال بعضهم : عنيت بذلك صلاة الظهر والعصر، قالوا : وهما من صلاة العشي. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد :﴿أقِمِ الصّلاَةَ طَرَفِي النّهارِ﴾، قال : الفجر، وصلاتي العشي، يعني : الظهر والعصر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، في قوله :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهارِ﴾، قال : صلاة الفجر، وصلاة العشيّ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن أفلح بن سعيد، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : ﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهارِ﴾، قال : فطرفا النهار : الفجر والظهر والعصر.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهارِ﴾، قال : الفجر، والظهر، والعصر.
وقال آخرون : بل عُني بها : صلاة المغرب. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهار﴾، ِ يقول : صلاة الغداة وصلاة المغرب.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى، عن عوف، عن الحسن :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهار﴾، ِ قال : صلاة الغداة والمغرب.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهارِ﴾ : الصبح، والمغرب.
وقال آخرون : عُني بها : صلاة العصر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهار﴾، ِ قال : صلاة الفجر والعصر.
قال : حدثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن سعيد القُبائي، عن محمد بن كعب :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهار﴾ : ِ الفجر والعصر.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا أبو رجاء، عن الحسن، في قوله :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهارِ﴾، قال : صلاة الصبح وصلاة العصر.
حدثني الحسين بن عليّ الصدائي، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا مبارك، عن الحسن، قال : قال الله لنبيه :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهارِ﴾، قال : طرفي النهار : الغداة والعصر.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهارِ﴾، يعني : صلاة العصر والصبح.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهارِ﴾ : الغداة والعصر.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن سعيد، عن محمد بن كعب :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهار﴾ : الفجر والعصر.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا قرة، عن الحسن :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهارِ﴾، قال : الغداة والعصر.
وقال بعضهم : بل عنى بطرفى النهار : الظهر والعصر، وبقوله :﴿زُلَفا مِنَ اللّيْل﴾ : المغرب، والعشاء، والصبح.
وأولى هذه الأقول في ذلك عندي بالصواب قول من قال : هي صلاة المغرب، كما ذكرنا عن ابن عباس.
وإنما قلنا : هو أولى بالصواب، لإجماع الجميع على أن صلاة أحد الطرفين من ذلك صلاة الفجر، وهي تصلى قبل طلوع الشمس، فالواجب إذ كان ذلك من جميعهم إجماعا أن تكون صلاة الطرف الآخر المغرب، لأنها تصلى بعد غروب الشمس، ولو كان واجبا أن يكون مرادا بصلاة أحد الطرفين : قبل غروب الشمس، وجب أن يكون مرادا بصلاة الطرف الآخر : بعد طلوعها، وذلك ما لا نعلم قائلاً قاله إلا من قال : عنى بذلك : صلاة الظهر والعصر، وذلك قول لا يُخِيلُ فساده، لأنهما إلى أن يكونا جميعا من صلاة أحد الطرفين أقرب منهما إلى أن يكونا من صلاة طرفى النهار، وذلك أن الظهر لا شكّ أنها تصلى بعد مضيّ نصف النهار في النصف الثاني منه، فمحال أن تكون من طرف النهار الأوّل وهي في طرفه الآخر. فإذا كان لا قائل من أهل العلم يقول : عنى بصلاة طرف النهار الأوّل : صلاة بعد طلوع الشمس، وجب أن يكون غير جائز أن يقال : عنى بصلاة طرف النهار الآخرة : صلاة قبل غروبها. وإذا كان ذلك صحّ ما قلنا في ذلك من القول، وفسد ما خالفه.
وأما قوله :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، فإنه يعني : ساعات من الليل، وهي جمع زُلْفة، والزلفة : الساعة والمنزلة والقربة. وقيل : إنما سميت المزدلفة وجُمَع من ذلك، لأنها منزل بعد عرفة. وقيل : سميت بذلك لازدلاف آدم من عرفة إلى حوّاء وهي بها ومنه قول العجاج في صفة بعير :
ناجٍ طَوَاهُ الأيْنَ مِمّا وَجَفاطَيّ اللّيالي زُلَفا فَزُلَفَا
واختلفت القرأة في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والعراق : وَ﴿زُلَفا﴾، بضم الزاي وفتح اللام. وقرأه بعض أهل المدينة بضم الزاي واللام، كأنه وجّهه إلى أنه واحد وأنه بمنزلة الحلم. وقرأه بعض المكيين :﴿وزُلْفا﴾، بضم الزاي وتسكين اللام.
وأعجب القراءات في ذلك إليّ أن أقرأها :﴿وَزُلَفا﴾، بضم الزاي وفتح اللام، على معنى جمع زُلْفة، كما تجمع غرفة : غُرَف، وحُجْرة : حُجَر. وإنما اخترت قراءة ذلك كذلك، لأن صلاة العشاء الآخرة إنما تصلى بعد مضيّ زلف من الليل، وهي التي عنيت عندي بقوله :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، وبنحو الذي قلنا في قوله :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾ قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، قال : الساعات من الليل صلاة العتمة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس :﴿زُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، يقول : صلاة العتمة.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى، عن عوف، عن الحسن :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، قال : العشاء.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عبيد الله بن أبي زيد، قال : كان ابن عباس يعجبه التأخير بالعشاء، ويقرأ :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، قال : ساعة من الليل، صلاة العتمة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، قال : العتمة، وما سمعت أحدا من فقهائنا ومشايخنا، يقول العشاء، ما يقولون إلا العتمة.
وقال قوم : الصلاة التي أمر النبي ﷺ بإقامتها ﴿زلفا من الليل﴾، صلاة المغرب والعشاء. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع، واللفظ ليعقوب، قالا : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا أبو رجاء عن الحسن :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، قال : هما زلفتان من الليل : صلاة المغرب، وصلاة العشاء.
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن أشعث، عن الحسن، في قوله :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، قال : المغرب، والعشاء.
حدثني الحسن بن عليّ، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا مبارك، عن الحسن : قال الله لنبيه ﷺ :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهارِ وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، قال :﴿زلفا من الليل﴾ : المغرب، والعشاء، قال رسول الله ﷺ :«هُما زُلْفَتا اللّيْلِ : المَغْرِبُ والعِشَاءُ ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، قال : المغرب، والعشاء.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، قال : قد بين الله مواقيت الصلاة في القرآن، قال :﴿أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ إلى غَسَق اللّيْلِ﴾، قال : دلوكها : إذا زالت عن بطن السماء وكان لها في الأرض فيء، وقال :﴿أقِم الصّلاةَ طَرَفِي النّهار﴾، ِ الغداة، والعصر. ﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، المغرب، والعشاء. قال : فقال رسول الله ﷺ :«هُمَا زُلْفَتا اللّيْلِ المَغْرِبُ والعِشَاءُ ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، قال : يعني : صلاة المغرب، وصلاة العشاء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن أفلح بن سعيد، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول :﴿زُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، المغرب والعشاء.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن سعيد، عن محمد بن كعب، مثله.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، المغرب والعشاء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن عاصم بن سليمان، عن الحسن، قال : زلفتا الليل : المغرب، والعشاء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، قال : المغرب والعشاء.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عاصم، عن الحسن :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، قال : المغرب والعشاء.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك :﴿وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، قال : المغرب والعشاء.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عاصم، عن الحسن :﴿زُلَفا مِنَ اللّيْلِ﴾، صلاة المغرب والعشاء. وقوله :﴿إنّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السّيّئات﴾، يقول تعالى ذكره : إن الإنابة إلى طاعة الله والعمل بما يرضيه، يذهب آثام معصية الله ويكفر الذنوب.
ثم اختلف أهل ا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى