روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿وَأَقِمِ الصلاة﴾ أي المكتوبة، ومعنى إقامتها أداؤها على تمامها.
وقيل : المداومة عليها، وقيل : فعلها في أول وقتها ﴿طَرَفَىِ النهار﴾ أي أوله وآخره وانتصابخ على الظرفية لأتم ويضعف كونه ظرفاً للصلاة ووجه انتصابه على ذلك إضافته إلى الظرف ﴿وَزُلَفاً مِّنَ اليل﴾ أي ساعات منه قريبة من النهار فإنه من أزلفه إذا قربه.
وقال الليث : هي طائفة من أول الليل، وكذا قال ثعلب، وقال أبو عبيدة. والأخفش. وابن قتيبة : هي مطلق ساعات واناؤه وكل ساعة زلفة، وأنشدوا للعجاج
:
ناج طواه الاين مما وجفاطي الليالي زلفا فزلفاسماوة الهلال حتى احقوقفا
وهو عطف على ﴿طَرَفَىِ النهار﴾، و ﴿مِّنَ اليل﴾ في موضع الصفة له، والمراد بصلاة الطرفين قيل : صلاة الصبح والعصر، وروي ذلك عن الحسن. وقتادة. والضحاك، واستظهر ذلك أبو حيان بناءاً على أن طرف الشيء يقتضي يكون من الشيء، والتزم أن أول النهار من الفجر، وقد يطلق طرف الشيء على الملاصق لأوله وآخره مجازاً فيمكن اعتبار النهار من طلوع الشمس مع صحة ما ذكروه في صلاة الطرف الأول بجعل التثنية هنا مثلها في قولهم : القلم أحد اللسانين إلا أنه قيل بشذوذ ذلك.
وروي عن ابن عباس واختاره الطبري أن المراذ صلاة الصبح والمغرب فإن كان النهار من أول الفجر إلى غروب الشمس فالمغرب طرف مجازاً وهو حقيقة طرف الليل، وإن كان من طلوع الشمس إلى غروبها فالصبح كالمغرب طرف مجازي، وقال مجاهد. ومحمد بن كعب القرظي : الطرف الأول الصبح. والثاني الظهر. والعصر، واختار ذلك ابن عطية، وأنت تعلم أن في جعل الظهر من الطرف الثاني خفاء وإنما الظهر نصف النهار والنصف لا يسمى طرفاً إلى بمجاز بعيد، والمراد بصلاة الزلف عند الأكثر صلاة المغرب والعشاء.
وروى الحسن في ذلك خبراً مرفوعاً، وعن ابن عباس أنه فسر صلاة الزلف بصلاة العتمة وهي ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق وقد تطلق على وقت صلاة العشاء الآخرة، وأغرب من قال : صلاة الطرفين صلاة الظهر والعصر، وصلاة الزلف صلاة المغرب. والعشاء. والصبح، وقيل : معنى ﴿*زلفا﴾ قربا، وحقه على هذا كما في الكشاف أن يعطف على الصلاة أي أقم الصلاة طرفي النهار وأقم زلفا من الليل أي صلوات تتقرب بها إلى الله عز وجل انتهى، قيل : والمراد بها على هذا صلاة العشاء والتهجد وقد كان واجباً عليه عليه الصلاة والسلام، أو العشاء. والوتر على ما ذهب إليه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، أو المجموع كما يقتضيه ظاهر الجمع، وقد تفسر بصلاة المغرب والعشاء واختاره البعض وقد جاء إطلاق الجمع على الاثنين فلا حاجة إلى التزام أن ذلك باعتبار أن كل ركعة قربة فتحقق قرب الثلاث فيما ذكر.
وقرأ طلحة. وابن أبي اسحق. وأبو جعفر ﴿*زلفا﴾ بضم اللام إما على أنه جمع زلفة أيضاً ولكن ضمت عينه اتباعاً لفائه. أو على أنه اسم مفرد كعنق. أو جمع زليف بمعنى زلفة كرغيف ورغف، وقرأ مجاهد. وابن محيصن باسكان اللام كبسر بالضم والسكون في بسرة، وهو على هذا على ما في البحر اسم جنس، وفي رواية عنهما أنهما قرآ زلفى كحبلى وهو بمعنى زلفة فإن تاء التأنيث وألفه قد يتعاقبان نحو قربى وقربة، وجوز أن تكون هذه الألف بدلاً من التنوين إجراءاً للوصل مجرى الوقف ﴿إِنَّ الحسنات يذهبن السيئات﴾ أي يكفرنها ويذهبن المؤاخذة عليها وإلا فنفس السيئات أعراض وجدت فانعدمت، وقيل : يمحينها من صحائف الأعمال، ويشهد له بعض الآثار، وقيل : يمنعن من اقترافها كقوله تعالى :﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] وهو مع بعده في نفسه مخالف للمأثور عن الصحابة. والتابعين رضي الله تعالى عنهم فلا ينبغي أن يعول عليه.
والظاهر أن المراد من الحسنات ما يعم الصلوات المفروضة وغيرها من الطاعات المفروضة وغيرها، وقيل : المراد الفرائض فقط لرواية " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن " وفيه أنه قد صح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" «إذا أمّن الإمام فأمّنوا فإن الملائكة تؤمّن فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " وفي رواية تفرد بها يحيى بن نصر وهو من الثقات بزيادة «وما تأخر » وصح أن صيام يوم عرفة تكفر السنة الماضية والمستقبلة، وأخرج أبو داود في السنن باسناد حسن عن سهل بنمعاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال :" من أكل طعاماً ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام وزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوباً وقال : الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في تكفير أفعال ليست بمفروضة ذنوباً كثيرة، وقيل : المراد بها الصلوات المفروضة لما في بعض طرق خبر سبب النزول من أن أبا اليسر من الأنصار قبل امرأة ثم ندم فأتى رسول الله ﷺ فأخبره بما فعل فقال عليه الصلاة والسلام :" أنتظر أمر ربي فلما صلى صلاة قال :ﷺ نعم اذهب بها فانها كفارة لما علمت "
وروي هذا القول عن ابن عباس. وابن مسعود. وابن المسيب، والظاهر أن ذلك منهم اقتصار على بعض مهم من أفراد ذلك العام، وسبب النزول لا يأبى العموم كما لا يخفى، وفي رواية عن مجاهد أنها قول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وفيه ما فيه، والمراد بالسيآت عند الأكثرين الصغائر لأن الكبائر لا يكفرها على ما قالوا : إلا التوبة، واستدلوا لذلك بما رواه مسلم من رواية العلاء " الصلوات الخمس كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر " واستشكل بأن الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر بنص ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١] فما الذي تكفوه الصلوات الخمس ؟ وأجاب البلقيني بأن ذلك غير وارد لأن المراد بالآية أن تجتنبوا في جميع العمر ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث " إن الصلوات تكفر ما بينها " أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم فلا تعارض، وتعقبه السمهودي بقوله : ولك أن تقول : لا يتحقق اجتناب الكبائر في جميع العمر إلا مع الاتيان بالصلوات الخمس فيه كل يوم فالتكفير حاصل بما تضمنه الحديث فما فائدة الاجتناب المذكور في الآية ثم قال : ولك أن تجيب بأن ذلك من باب فعل شيئين كل منهما مكفر، وقد قال بعض العلماء : إنه إذا اجتمعت مكفرات فحكمها أنها إذا ترتبت فالمكفر السابق وإن وقعت معاً فالمكفر واحد منها يشاؤه الله تعالى، وأما البقية فثوابها باق له وذلك الثواب على كل منها يكون بحيث يعدل تكفير الصغائر لو وجدت، وكذا إذا فعل واحداً من الأمور المكفرة ولم يكن قد ارتكب ذنباً.
وفي شرح مسلم للنووي نحو ذلك غير أنه ذكر أنه لو صادف فعل المكفر كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر، ويرد على قوله : إن المراد ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ﴾ في جميع العمر منع ظاهر، والظاهر أن المران من ذلك أن ثواب اجتناب الكبائر في كل وقت يكفر الصغائر الواقعة فيه، وفي تفسير القاضي ما يؤيده، وكذا ما ذكره الإمام حجة الإسلام في الكلام على التوبة من أن حكم الكبيرة أن الصلوات الخمس لا تكفرها وأن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر بموجب قوله سبحانه :﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا﴾ [النساء: ٣١] الخ، ولكن اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقوع ويقتصر على النظر واللمس فإن مجاهدته نفسه في الكف عن الواقع أشد تأثيراً في تنوير قلبه من إقدامه على النظر في اظلامه فهذا معنى تكفيره فإن كان عنينا ولم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادراً ولكن امتنع لخوف من آخر فهذا لا يصلح للتكفير أصلا فكل من لا يشتهي الخمر بطبعه ولو أبيح له ما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التي هي من مقدماته كسماع الملاهي والأوتار وهذا ظاهر يدل عليه أن الحسنات يذهبن السيئات، ولا شك أن اجتناب الكبائر إذا قارن القصد حسنة وإنما قيدنا بذلك وإن كان الخروج عن عهدة النهي لا يتوقف عليه لأنه لا يثاب على الاجتناب بدون ذلك، فالأولى في الجواب عن الأشكال أن يقال :«ما اجتنبت الكبائر » في الخبر ليس قيداً لأصل التكفير بل لشمول التكفير سائر الذنوب التي بين الصلوات الخمس فهو بمثابة استثناء الكبائر من الذنوب، وكأنه قيل : الصلوات الخمس كفارة لجيمع الذنوب التي بينها وتكفيرها للجميع في المدة التي اجتنبت فيها الكبائر أو مقيد باجتناب الكبائر وإلا فليست الصلوات كفارة لجميع الذنوب بل للصغائر فقط، وهذا وإن كان خلاف الظاهر من عود القيد لأصل التكفير لكن قرينة الآية دعت للعدول عنه إلى ذلك جمعاً بين الأدبة، ولا بدّ في هذا من اعتبار ما قالوا في اجتماع الأمور المكفرة الصغائر، وذكر الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام البلقيني ما لفظه : وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلص عنه سهل وذلك لأنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس فمن لم يفعلها لم يعد مجتنباً للكبائر لأن تركها من الكبائر فيتوقف التكفير على فعلها انتهى ولا يخلو عن بحث، وممن صرح بأن ما اجتنبت الخ بمعنى الاستثناء نقلاً عن بعضهم المحب الطبري، فقد قال في أحكامه : اختلف العلماء في أمر تكفير الصغائر بالعبادات هل هو مشروط باجتناب الكبائر ؟ على قولين : أحدهما نعم وهو ظاهر قوله ﷺ :
" ما اجتنبت الكبائر " فإن ظاهره الشرطية كما يقتضيه «إذا اجتنبت » الآتي في بعض الروايات، فإذا اجتنبت الكبائر كانت مكفرة لها وإلا فلا، وإليه ذهب الجمهور على ما ذكره ابن عطية، وقال بعضهم : لا يشترط، والشرط في الحديث بمعنى الاستثناء والتقدير مكفرات لما بينها إلا الكبائر وهو الأظهر.
هذا وقد ذكر الزركشي أنهم اختلفوا في أن التفكير هل يشترط فيه التوبة أم لا ؟ فذهب إلى الاشتراط طائفة وإلى عدمه أخرى، وفي البحر أن الاشتراط نص حذاق الأصوليين، ولعل الخلاف مبني على الخلاف في اشتراط الاجتناب وعدمه فمن جعل اجتناب الكبائر شرطاً في تكفير الصغائر لم يشترط التوبة وجعل هذه خصوصية لمجتنب الكبائر ولم يشترطه إلا من اشترطها، ويدل عليه خبر أبي اليسر فإن الروايات متضافرة على أنه جاء نادماً والندم توبة، وإن إخباره ﷺ له بأن صلاة العصر كفرت عنه ما فعله إنما وقع بعد ندمه لكن ظاهر إطلاق الحديث يقتضي أن التكفير كان بنفس الصلاة فإن التوبة بمجردها تجبّ ما قبلها فلو اشترطناها مع العبادات لم تكن العبادات مكفرة، وقد ثبت أنها مكفرات فيسقط اعتبار التوبة معها انتهى ملخصاً مع زيادة، ولا يخفى أن هذا يحتاج إلى التزام القول بأن ندم أبي اليسر لم يكن توبة صحيحة وإلا لكان التكفير به لأنه السابق، وبعض التزم القول بكونه توبة صحيحة إلا أنه توبة لم تقبل ولم تكفر الذنب، وأنت تعلم أن في عدم تكفير التوبة الذنب مقالاً، والمنقول عن السبكي أنه قال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى