الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل﴾ – إلى قوله – ﴿وكانوا مجرمين﴾[ ١١٤-١١٦ ].
وقال أبو جعفر :( وزلفا ) بضم اللام (١). وقرأ ابن محيصن (٢) بإسكان اللام (٣) فمن فتح اللام، فهو جمع واحدة زلفة، ومن ضم (٤) اللام فواحدة ( زليف ) كقريب، وقرب : وقيل : هو واحد مثل الحلم، والحلم.
وقرأ مجاهد :( وزلفى ) (٥) مثل ( فعلى ). والزلف : الساعات، واحدها زلفة. ومن هذا (٦) سميت المزدلفة، لأنها منزل بعد عرفة. وقيل (٧) : سميت ( بذلك ) (٨) لازدلاف آدم من عرفة إلى حواء (٩)، وهي (١٠) بها (١١).
ومن أسكن اللام خففها من ( زلفى ) بالضم. ويعني بالزلف : الساعات القريبة من الليل.
ومعنى الآية :﴿وأقم الصلاة طرفي النهار﴾، يعني : العداة، والعشي (١٢)، فالغذاة الصبح، والعشاء عند مجاهد هي صلاة الظهر.
وروي عنه : الظهر والعصر (١٣)، وقيل : عنى بها صلاة المغرب، وهو قول الحسن، وابن زيد (١٤).
وروي عن منصور، عن مجاهد أنه قال :﴿طرفي النهار﴾ صلاة الفجر، والظهر، ﴿وزلفا من الليل﴾ : المغرب والعشاء (١٥).
وقال الضحاك (١٦) : عنى بها صلاة العصر.
وقال مجاهد : وزلفا من الليل : أي (١٧) : ساعات من الليل : صلاة العتمة (١٨) (١٩).
وروي عن الحسن : أنها صلاة المغرب، والعتمة (٢٠). والاختيار عند الطبري، وغيره (٢١) أن تكون (٢٢) صلاة المغرب، لأنها طرف، تصلى بعد غروب الشمس، كما صلاة الصبح طرف، تصلى قبل طلوع الشمس : فكلاهما طرف (٢٣).
وقوله تعالى :﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾[ ١١٤ ].
( روى ابن عمر (٢٤) أن النبي ﷺ، قال : " الصلوات (٢٥) الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات (٢٦) لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر ) (٢٧).
( وقال أبو عثمان النهدي : كنت مع سلمان (٢٨) تحت شجرة، فأخذ غصنا منها، فهزه حتى تساقط ورقه، ثم ضحك، فقلت : ما أضحكك ؟ قال (٢٩) : إني كنت مع رسول الله ﷺ، يوما تحت شجرة، فأخذ غصنا منها، فهزه حتى تساقط ورقه، ثم ضحك. فقلت : ما أضحكك يا رسول الله ؟ فقال : " أضحكني أن العبد المسلم إذا توضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى (٣٠) الصلوات الخمس، تساقطت (٣١) عنه ذنوبه كما تساقطت هذه الورق "، ثم تلى هذه الآية ﴿أقم لصلاة﴾ – إلى آخرها (٣٢).
وروي عن (٣٣) مجاهد، عن ابن عمر، أنه قال :( ما من مسلم يتوضأ، فيحسن الوضوء، إلا تناثرت عنه خطاياه، كما تتناثر ورق الشجرة (٣٤) اليابسة. ثم تكون صلاته نافلة ( له ) (٣٥). ثم قرأ (٣٦) ابن عمر :﴿أقم الصلاة﴾ الآية (٣٧) قال ابن عباس وغيره : هي الصلوات (٣٨) الخمس (٣٩).
وقال مجاهد : هو قولنا (٤٠) : سبحان الله/، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (٤١). وقيل : المعنى : أن التوبة تذهب الصغائر. ﴿ذلك ذكرى للذاكرين﴾[ ١١٤ ] : أي : النهي عن الركون إلى الذين ظلموا، وإقامة الصلاة تذكرة لقوم يذكرون، وعد الله عز وجل، وثوابه (٤٢) وعقابه سبحانه (٤٣).
( وروي أن هذه الآية نزلت في رجل أتى إلى النبي ﷺ (٤٤)، فقال : يا رسول الله (٤٥) ! إني وجدت امرأة في بستان فقبلتها والتزمتها (٤٦)، ونلت منها كل شيء إلا الجماع، فافعل بي ما شئت. فأنزل الله :﴿أقم الصلاة﴾ – إلى قوله – ﴿للذاكرين﴾[ ١١٤ ]. فقال معاذ بن جبل (٤٧) : يا رسول الله ! أخاص له أم عام للناس (٤٨) ؟ ( فقال : " بل للناس كافة " ) (٤٩) (٥٠).
وقال أنس بن مالك (٥١)، رضي الله عنه (٥٢)، أتى رجل إلى رسول الله ﷺ (٥٣)، فقال له (٥٤) : إني أصبت حدا (٥٥)، فأقمه علي. فأمسك النبي ﷺ عنه، وحضرت الصلاة، فصلى. فقال : يا رسول الله ! إني أصبت حدا، فأقم علي كتاب الله. فقال : أصليت معي ؟ قال : نعم. قال : قد غفر الله لك.
وقيل : المعنى : أن الصلوات الخمس، يكفرن ما بينهم من الذنوب، إذا اجتنبت الكبائر (٥٦).
١ وهي قراءة أبي جعفر، وابن أبي إسحاق، وعيسى، وابن محيصن، انظر: معاني الفراء ٢/٣٠، وإعراب النحاس ٢/٣٠٧، وشواذ القرآن ٦٦. وزاد نسبتها في المحرر ٩/٢٣٤ إلى طلحة بن مصرف..
٢ هو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي، مقرئ أهل مكة بعد ابن كثير، روى له الحديث مسلم (ت ٢٢٣ هـ) انظر: الغاية ٢/١٦٧، رقم ٣١١٨..
٣ انظر: هذه القراءة الشاذة في إعراب النحاس ٢/٣٠٧، وشواذ القرآن ٦٦..
٤ ق: فمن..
٥ انظر: قراءة مجاهد في المحرر ٩/٢٣٤ وحكى ابن خالويه في شواذ القرآن ٦٦ أنه قرأ (وزلفى) بالأمالة. وانظر: اللسان: زلف..
٦ ق: هذه..
٧ ط: قيل..
٨ ساقطة من ق..
٩ ط: جوا..
١٠ ط: في لها..
١١ انظر هذا القول في: جامع البيان ١٥/٥٠٥..
١٢ ط: ولتعشاء. وانظر هذا المعنى في: جامع البيان ١٥/٥٠٢..
١٣ انظر هذا التفسير في: جامع البيان ١٥/٥٠٢. وفي تفسير مجاهد ٣٩١ هي صلاة العتمة..
١٤ وهو ما ذهب إليه ابن عباس أيضا. انظر جميع هذه الأقوال في: جامع البيان ١٥/٥٠٣..
١٥ انظر هذا القول في: جامع البيان ١٥/٥٠٢ و٥٠٨، ومعاني الزجاج ٣/٨٢..
١٦ انظر هذا القول في: جامع البيان ١٥/٥٠٣و ٥٠٤..
١٧ ط: مطموس..
١٨ ق: العثمة..
١٩ انظر هذا القول في: جامع البيان ١٥/٥٠٦..
٢٠ انظر هذا القول في: جامع البيان ١٥/٥٠٧..
٢١ ساقط من ق..
٢٢ ق: يكون..
٢٣ في النسختين معا طرفا. وانظر: بيان هذا الاختيار في جامع البيان ١٥/٥٠٤-٥٠٥..
٢٤ هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، الصحابي، الفقيه، الورع المشهور. انظر: تقريب التهذيب: ١/٤١٠..
٢٥ ق: الصلاة..
٢٦ ق: كفارة..
٢٧ هذا حديث صحيح، أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ٥/٣ في كتاب الحرث والمزارعة. وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه ١/١٤٤ عن أبي هريرة. كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة..
٢٨ من أجل الصحابة ذكرا، أصله من فارس، أسلم بعد الهجرة، وكان تقيا، ذا رأي (ت ٣٦ هـ) انظر: الحلية ١/١٨٥، والإصابة ٣٣٥٠..
٢٩ ط: فقال..
٣٠ ق: صلا..
٣١ ط: تساقط..
٣٢ هذا الحديث رواه الإمام أحمد في: مسنده: ٥/٤٣٧-٤٣٨، عن أبي عثمان، والطبري في: جامع البيان ١٥/٥١٤..
٣٣ ساقط من ط..
٣٤ ط: الشجر..
٣٥ ساقط من ق..
٣٦ ق: تقرأ..
٣٧ هذا الأثر المروي عن مجاهد، عن ابن عمر، وإن لم يكن مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن له ما يزكيه في الصحيح، إذ هو تضمين للحديث الشريف: "مثل الصلوات الخمس، مثل نهر جار على باب أحدكم، ينغمس فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى من درنه" رواه البخاري في صحيحه: عن أبي هريرة، في كتاب مواقيت الصلاة/ باب الصلوات الخمس. ورواه مسلم عن جابر في: صحيحه: ٢/١٣٢، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة..
٣٨ ق: الصلاة..
٣٩ انظر هذا القول في: جامع البيان ٥١٠-٥١١..
٤٠ ط: مطموس..
٤١ انظر هذا القول في: جامع البيان ١٥/٥١٥..
٤٢ ط: وثوابه بعلى..
٤٣ انظر هذا التوجيه في: المصدر السابق..
٤٤ ط: عليه السلام..
٤٥ ق: لرسول الله..
٤٦ ق: وألزمها، والتزمه أي: عانقة، انظر: اللسان: لزم..
٤٧ هو أبو عبد الرحمن، معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، صحابي، بدري، فقيه بالأحكام (ت ١٨ هـ) انظر: التقريب ٢/٢٥٥، وطبقات ابن خياط ١٠٣-١٠٤..
٤٨ ق: أم عام للناس أم عام للناس، وهو سهو من الناسخ..
٤٩ ما بين القوسين ساقط من النسختين..
٥٠ هذا حديث صحيح، رواه الإمام مسلم في صحيحه ٨/١٠١ كتاب التوبة/ باب قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾. ورواه الإمام أبو داود في سننه ٤/١٦١، رقم ٤٤٦٨، كتاب الحدود/ باب في المرأة يصيب من المرأة دون الجماع. ورواه الترمذي في سننه. انظر: تحفة الأحوذي ٨/٥٣٣ رقم ٥١١٣، في كتاب التفسير (سورة هود) وكلهم عن ابن مسعود..
٥١ هو ابن النضر الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عن الراشدين، وحدث عنه قتادة، والزهري، وآخرون. وكان آخر الصحابة وفاة بالبصرة (٩٠ هـ) انظر: طبقات ابن سعد ٧/١٧، وتذكرة الحفاظ /٤٤..
٥٢ ساقط من ط..
٥٣ ط: صم..
٥٤ ساقط من ق..
٥٥ ط: مطموس..
٥٦ انظر هذا القول في: تخريج حديث ابن عمر..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى