فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ أي : لا أحد أظلم منهم لأنفسهم ؛ لأنهم افتروا على الله كذباً بقولهم لأصنامهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وقولهم : الملائكة بنات الله، وأضافوا كلامه سبحانه إلى غيره، واللفظ وإن كان لا يقتضي إلا نفي وجود من هو أظلم منهم كما يفيده الاستفهام الإنكاري، فالمقام يفيد نفي المساوي لهم في الظلم. فالمعنى على هذا : لا أحد مثلهم في الظلم فضلاً عن أن يوجد من هو أظلم منهم، والإشارة بقوله : أولئك إلى الموصوفين بالظلم المتبالغ، وهو مبتدأ، وخبره يعرضون على ربهم فيحاسبهم على أعمالهم، أو المراد بعرضهم : عرض أعمالهم ﴿وَيَقُولُ الأشهاد هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ﴾ الأشهاد : هم الملائكة الحفظة، وقيل : المرسلون. وقيل : الملائكة والمرسلون والعلماء الذين بلغوا ما أمرهم الله بإبلاغه، وقيل جميع الخلائق. والمعنى : أنه يقول هؤلاء الأشهاد عند العرض : هؤلاء المعرضون أو المعروضة أعمالهم الذين كذبوا على ربهم بما نسبوه إليه ولم يصرّحوا بما كذبوا به، كأنه كان أمراً معلوماً عند أهل ذلك الموقف. قوله :﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ هذا من تمام كلام الأشهاد أي : يقولون هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ويقولون : ألا لعنة الله على الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه، قاله بعدما قال الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم. والأشهاد جمع شهيد، ورجحه أبو عليّ بكثرة ورود شهيد في القرآن كقوله :﴿وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً﴾، وقيل : هو جمع شاهد كأصحاب وصاحب، والفائدة في قول الأشهاد بهذه المقالة المبالغة في فضيحة الكفار، والتقريع لهم على رؤوس الأشهاد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ قال : الكافر والمنافق ﴿أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ﴾ فيسألهم عن أعمالهم ﴿وَيَقُولُ الأشهاد﴾ الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا ﴿هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ﴾ شهدوا به عليهم يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، قال : الأشهاد : الملائكة. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، نحوه، وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«إن الله يدني المؤمن حتى يضع كنفه ويستره من الناس ويقرّره بذنوبه، ويقول له : أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول : ربّ أعرف، حتى إذا قرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال : فإني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله :﴿الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ قال : هو محمد يعني سبيل الله، صدّت قريش عنه الناس. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك، في قوله :﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يعني : يرجون بمكة غير الإسلام ديناً. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾ الآية قال : أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فإنه قال :﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ وأما في الآخرة فإنه قال ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ خاشعة﴾ وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع﴾ قال : ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا خيراً فينتفعوا به، ولا يبصروا خيراً فيأخذوا به.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿أخبتوا﴾ قال : خافوا. وأخرج ابن جرير، عنه، قال : الإخبات : الإنابة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، قال الإخبات : الخشوع والتواضع. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال : اطمأنوا. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم﴾ قال : الكافر ﴿والبصير والسميع﴾ قال : المؤمن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى