المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
التقدير : فشرع يصنع فحكيت حال الاستقبال، إذ في خلالها وقع مرورهم، قال ابن عباس : صنع نوح الفلك بيفاع دمشق(١) وأخذ عودها من لبنان وعودها من الشمشاذ وهو البقص(٢). وروي أن عودها من الساج وأن نوحاً عليه السلام اغترسه حتى كبر في أربعين سنة ؛ وروي أن طول السفينة ألف ذراع ومائتان، وعرضها ستمائة ذراع، ذكره الحسن بن أبي الحسن وقيل : طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، ذكره قتادة، وروي غير هذا مما لم يثبت، فاختصرت ذكره، وذكر الطبري حديث إحياء عيسى ابن مريم لسام بن نوح وسؤاله إياه عن أمر السفينة فذكر أنها ثلاث طبقات : طبقة للناس، وطبقة للبهائم، وطبقة للطير، إلى غير ذلك في حديث طويل(٣).
و «الملأ » هنا الجماعة، و ﴿سخروا﴾ معناه استجهلوه، وهذا الإستجهال إن كان الأمر كما ذكر أنهم لم يكونوا قبل رأوا سفينة ولا كانت - فوجه الإستجهال واضح. وبذلك تظاهرت التفاسير ؛ وإن كانت السفائن حينئذ معروفة فاستجهلوه في أن صنعها في موضع لا قرب لها من البحر وروي أنهم كانوا يقولون له : صرت نجاراً بعد النبوة ؟ ! !.
وقوله ﴿فإنا نسخر منكم﴾ قال الطبري : يريد في الآخرة.
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل الكلام، بل هو الأرجح، أن يريد : إنا نسخر منكم الآن، أي نستجهلكم لعلمنا بما أنتم عليه من الغرر مع الله تعالى والكون بمدرج عذابه.
١ - اليفاع: المرتفع من كل شيء، يكون في المشرف من الأرض، والجبل، والرمل، وغيرها. (المعجم الوسيط)..
٢ - هكذا بالنسخ التي بأيدينا، والموجود في المعاجم البقس (بالسين لا بالصاد). قال في المعجم الوسيط: "البقس: شجر يشبه الآس خشبه صلب يعمل منه بعض الأدوات"، وقال في القاموس: "أو هو شجر الشّمْشاذ (بالذال المعجمة)، منابته بلاد الروم، تتخذ منه المغالق والأبواب لمتانته وصلابته"..
٣ - الحديث طويل، وقد أورده الطبري في تفسيره..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى