جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قَالَ يَنُوحُ إِنّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّيَ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
يقول الله تعالى ذكره : قال الله يا نوح إن الذي غرّقته فأهلكته الذي تذكر أنه من أهلك ليس من أهلك.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ فقال بعضهم : معناه : ليس من ولدك هو من غيرك. وقالوا : كان ذلك من حِنْث. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، في قوله : إنّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ قال : لم يكن ابنه.
حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا : حدثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن جابر، عن أبي جعفر : وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ قال : ابن امرأته.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن أصحاب ابن أبي عَروبة فيهم الحسن، قال : لا والله ما هو بابنه.
قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر : وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ قال : هذه بلغة طيّ لم يكن ابنه، كان ابن امرأته.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : حدثنا هشيم، عن عوف، ومنصور، عن الحسن في قوله : إنّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ قال : لم يكن ابنه. وكان يقرؤها :«إنّهُ عَمِلَ غيرَ صَالِحٍ ».
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة قال : كنت عند الحسن فقال : نادي نوح ابنه : لعمر الله ما هو ابنه قال : قلت يا أبا سعيد يقول : وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ وتقول : ليس بابنه ؟ قال : أفرأيت قوله : إنّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ ؟ قال : قلت إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهَم معك، ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه. قال : إن أهل الكتاب يَكْذِبون.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : سمعت الحسن يقرأ هذه الآية :«إنّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ إنّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ » فقال عند ذلك : والله ما كان ابنه ثم قرأ هذه الآية : فخانَتاهُما قال سعيد : فذكرت ذلك لقتال، قال : ما كان ينبغي له أن يحلف.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : فَلا تَسأَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ قال : تبين لنوح أنه ليس بابنه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : فَلا تَسأَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ قال : بين الله لنوح أنه ليس بابنه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
قال ابن جريج في قوله : وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ قال : ناداه وهو يحسبه أنه ابنه وكان وُلِد على فراشه.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا إسرائيل، عن ثور، عن أبي جعفر : إنّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ قال : لو كان من أهله لنجا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو، وسمع عبيد بن عمير يقول : نرى أن ما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم«الوَلَدُ للْفِرَاشِ »، من أجل ابن نوح.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن ابن عون، عن الحسن، قال : لا والله ما هو بابنه.
وقال آخرون : معنى ذلك : لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ الذين وعدتك أن أُنجيهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي عامر، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله : وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ قال : هو ابنه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، قال : حدثنا أبو عامر، عن الضحاك، قال : قال ابن عباس : هو ابنه، ما بغت امرأة نبيّ قطّ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن أبي عامر الهمدانيّ، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، قال : ما بغت امرأة نبيّ قطّ، قال : وقوله : إنّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ الذين وعدتك أن أنجيهَم معك.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : هو ابنه، غيرَ أنه خالفه في العمل والنية. قال عكرمة في بعض الحروف : إنه عمل عملاً غير صالح، والخيانة تكون على غير باب.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كان عكرمة يقول : كان ابنه، ولكن كان مخالفا له في النية والعمل، فمن ثم قيل له : إنّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري وابن عيينة، عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قَتّة، قال : سمعت ابن عباس يُسأل وهو إلى جنب الكعبة عن قول الله تعالى : فخانَتاهُمَا قال : أَمَا إنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدلّ على الأضياف. ثم قرأ : إنّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِحٍ.
قال ابن عيينة : وأخبرني عمار الدّهْنِيّ أنه سأل سعيد بن جبير، عن ذلك فقال : كان ابن نوح، إن الله لا يكذب. قال : وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ قال : وقال بعض العلماء : ما فجرت امرأة نبيَ قط.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، قال : قال الله وهو الصادق، وهو ابنه : وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن سعيد، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس، قال : ما بغت امرأة نبيّ قطّ.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : سألت أبا بشر، عن قوله : إنّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ قال : ليس من أهل دينك، وليس ممن وعدتك أن أنجيهَم. قال يعقوب : قال هشيم : كان عامة ما كان يحدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن عبيد، عن يعقوب بن قيس، قال : أتى سعيدَ بن جبير رجل فقال : يا أبا عبد الله، الذي ذكر الله في كتابه ابن نوح أبنه هو ؟ قال : نعم، والله إن نبيّ الله أمره أن يركب معه في السفينة فعصى، فقال : سآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ قالَ يا نُوحُ إنّهُ لَيسَ مِنْ أهْلِكَ إنّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِحٍ لمعصية نبيّ الله.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البَجَلِي، عن سعيد بن جبير أنه جاء إليه رجل فسأله فقال : أرأيتك ابن نوح : أبنه ؟ فسبح طويلاً ثم قال : لا إله إلا الله، يحدّث الله محمدا : وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ وتقول ليس منه ولكن خالفه في العمل، فليس منه من لم يؤمن.
حدثني يعقوب وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن عُلَية، عن أبي هارون الغَنَوي، عن عكرمة، في قوله : وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ قال : أشهد أنه ابنه، قال الله : وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة قالا : هو ابنه.
حدثني فَضَالة بن الفضل الكوفي، قال : قال بَزِيع : سأل رجل الضحاك عن ابن نوح فقال : ألا تعجبون إلى هذا الأحمق يسألني عن ابن نوح ؟ وهو ابن نوح، كما قال الله : قال نوح لابنه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبيد، عن الضحاك أنه قرأ : وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ. وقوله : لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ قال : يقول : ليس هو من أهلك. قال : يقول : ليس هو من أهل ولايتك، ولا ممن وعدتك أن أنجيَ من أهلك. إنّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِحٍ قال : يقول : كان عمله في شرك.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك، قال : هو والله ابنه لصلبه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله : لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ قال : ليس من أهل دينك، ولا ممن وعدتك أن أنجيه، وكان ابنه لصلبه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : قالَ يا نُوحُ إنّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ يقول : ليس ممن وعدناه النجاة.
حُدثت عن الحسينِ بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : إنّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ يقول : ليس من أهل ولايتك، ولا ممن وعدتك أن أنجيَ من أهلك. إنّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِحٍ يقول : كان عمله في شرك.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا خالد بن حيان، عن جعفر بن بِرْقان، عن ميمون، وثابت بن الحجاج قالا : هو ابنه وُلد على فراشه.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : تأويل ذلك : إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجَيهم، لأنه كان لدينك مخالفا وبي كافرا. وكان ابنه لأن الله تعالى ذكره قد أخبر نبيه محمدا ﷺ أنه ابنه، فقال : وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ وغير جائز أن يخبر أنه ابنه فيكون بخلاف ما أخبر. وليس في قوله : إنّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ دلالة على أنه ليس بابنه، إذ كان قوله : لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ محتملاً من المعنى ما ذكرنا، ومحتملاً أنه ليس من أهل دينك، ثم يحذف «الدين » فيقال : إنه ليس من أهلك، كما قيل : وَاسأَلِ القَرْيَةَ التي كُنّا فِيها.
وأما قوله : إنّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِحٍ فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قرّاء الأمصار : إنّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِحٍ بتنوين عمل ورفع غير.
واختلف الذي قرأوا ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم : معناه : إن مسألتك إياي هذه عملٌ غيرُ صالح. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم : إنّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِحٍ قال : إن مسألتك إياي هذه عمل غير صالح.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : إنّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِحٍ أي سوء فَلا تَسأَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : إنّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِحٍ يقول : سؤالك عما ليس لك به علم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن مجاهد، قوله : إنّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِحٍ قال : سؤالك إياي عمل غير صالح فَلا تَسأَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.
وقال آخرون : بل معناه : إن الذي ذكرت أنه ابنك فسألتني أن أنجيَه عمل غير صالح، أي أنه لغير رِشْدة. وقالوا : الهاء في قوله :«إنّهُ » عائدة على الابن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن نمير، عن ابن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن أنه قرأ : عَمَلٌ غيرُ صَالِحٍ قال : ما هو والله بابنه.
ورُوي عن جماعة من السلف أنهم قرأوا ذلك :«إنّهُ عَمِلَ غيرَ صَالِحٍ » على وجه الخبر عن الفعل الماضي، وغير منصوبة. وممن رُوي عنه أنه قرأ ذلك كذلك ابن عباس.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قَتّة، عن ابن عباس أنه

تفسير هذه الآية من كتب أخرى