الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِلاَّ اعْتَرَاكَ﴾ : الظاهرُ أن ما بعد " إلا " مفعول بالقول قبله، إذ المرادُ : إن نقول إلا هذا اللفظَ فالجملةُ محكيةٌ نحو قولك :" ما قلت إلا زيد قائم ". وقال أبو البقاء :" الجملةُ مفسرةٌ لمصدرٍ محذوف، التقدير : إن نقول إلا قولاً هو اعتراك، ويجوز أن يكونَ موضعُها نصباً، أي : ما نذكر إلا هذا القول " وهذا غير مُرْضٍ ؛ لأن الحكاية بالقول معنى ظاهر لا يَحْتاج إلى تأويل، ولا إلى تضمينِ القولِ بالذِّكْر.
وقال الزمخشري :" اعتراك " مفعول " نقول " و " إلا " لغوٌ، أي : ما نقول إلا قولنا " اعتراك ". انتهى. يعني بقولَه " لَغُو " أنه استثناءٌ مفرغ، وتقديره بعد ذلك تفسيرُ معنى لا إعراب، إذ ظاهرُه يقتضي أن تكونَ الجملةُ منصوبةً بمصدر محذوف، ذلك المصدرُ منصوبٌ ب " نقول " هذا الظاهر. ويُقال : اعتراه بكذا يَعْتريه، وهو افتعلَ مِنْ عَراه يَعْرُوه إذا أصابَه، والأصل : اعْتَرَوَ من العَرَوْ، مثل : اغتَرَوا مِن الغَزْو، فتحرك حرفُ العلة وانفتح ما قبله فقُلب ألفاً، وهو يتعدَّى لاثنين ثانيهما بحرف الجر.
قوله :﴿أَنِّي بَرِيءٌ﴾ يجوز أن يكون من باب الإِعمال لأنَّ " أُشْهِدُ " يطلبُه، و " اشْهدوا " يطلبه أيضاً، والتقدير : أُشْهد اللَّه على أنه بريء، واشهدوا أنتم عليه أيضاً، ويكون من إعمال الثاني، لأنه لو أَعْمل الأول لأضمر في الثاني : ولا غَرْو في تنازع المختلفين في التعدي واللزوم.
و " مِمَّا تُشْركون " يجوز أن تكونَ " ما " مصدريةً، أي : مِنْ إشراككم آلهةً مِنْ دونه، أو بمعنى الذي، أي : مِن الذين تشركونه مِن آلهةٍ مِن دونه، أي أنتم الذين تجعلونها شركاءَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى