الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾ : في نصبه وجهان، أحدهما : أنه مفعول به، ثم هو محتملٌ لأمرين، أحدهما : أن يراد قالوا هذا اللفظ بعينه، وجاز ذلك لأنه يتضمَّن معنى الكلام. والثاني : أنه أراد قالوا معنى هذا اللفظ، وقد تقدم ذلك في نحو قولِه تعالى :﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]. وثاني الوجهين : أن يكون منصوباً على المصدر بفعل محذوف، وذلك الفعل في محل نصب بالقول، تقديرُه : قالوا : سَلَّمْنا سلاماً، وهو من باب ما ناب فيه المصدرُ عن العامل فيه، وهو واجبُ الإِضمار.
قوله :﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ في رفعه وجهان، أحدهما : أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ، أي : سلامٌ عليكم. والثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : أمري أو قولي سلام. وقد تقدَّم أولَ هذا الموضعِ أن الرفعَ أدلُّ على الثبوت من النصب، والجملة بأسرها وإن كان أحدُ جُزْأيها محذوفاً في محل نصب بالقول كقوله :
٢٦٧٦ إذا ذُقْتُ فاها قلت طعمُ مُدامةٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقرأ الأخوان :" قال سِلْم " هنا وفي سورة الذاريات بكسر السين وسكون اللام. ويلزم بالضرورة سقوطُ الألف فقيل : هما لغتان كحِرْم وحَرام وحِلٌّ وحَلال، وأنشد :
٢٦٧٧ مَرَرْنا فقُلنا إيه سِلْمٌ فسَلَّمَتْكما اكْتَلَّ بالبرق الغمامُ اللوائحُ
يريد : سلام، بدليل : فسلَّمت. وقيل :" السِلْم " بالكسر ضد الحرب، وناسَب ذلك لأنه نَكِرَهم فقال : أنا مسالمكم غيرُ محارِب لكم
قوله :﴿فَمَا لَبِثَ﴾ يجوزُ في " ما " هذه ثلاثة أوجه، أظهرها : أنها نافيةٌ، وفي فاعل " لَبث " حينئذ وجهان، أحدهما : أنه ضميرٌ إبراهيم عليه السلام، أي : فما لبث إبراهيم، وإن جاء على إسقاطِ الخافض، فقدَّروه بالباء وب " عن " وب " في "، أي : فما تأخر في أَنْ، أو بأن، أو عن أن. والثاني : أن الفاعل قوله :" أن جاء "، والتقدير : فلما لبث، أي : ما أبطأ ولا تأخَّر مجيئُه بعجل سمين.
وثاني الأوجه : أنها مصدريةٌ، وثالثها : أنها بمعنى الذي. وهي في الوجهين الأخيرين مبتدأ، وإن جاء خبرُه على حَذْف مضاف تقديره : فلُبْثُه أو الذي لَبِثه قَدْرَ مجيئه.
والحَنيذ : المَشْويُّ بالرصْف في أخدود. حَنَذْتُ الشاةَ أَحْنِذُها حَنْزاً فهي حَنيذ، أي محنوذة. وقيل : حنيذ بمعنى يَقْطُرُ دَسَمُه من قولهم : حَنَذْتُ الفرس، أي : سُقْتُه شوطاً أو شوطين وتضع عليه الجُلَّ في الشمس ليَعْرَق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى