المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
«الرسل » الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقالت فرقة : بدل إسرافيل عزرائيل - ملك الموت - وروي أن جبريل منهم كان مختصاً بإهلاك قرية لوط، وميكائيل مختصاً بتبشير إبراهيم بإسحاق. وإسرافيل مختصاً بإنجاء لوط ومن معه.
قال القاضي أبو محمد : وهذه الآية تقضي باشتراكهم في البشارة بإسحاق وقالت فرقة - وهي الأكثر - «البشرى » هي بإسحاق. وقالت فرقة :«البشرى » هي بإهلاك قوم لوط.
وقوله :﴿سلاماً﴾ نصب على المصدر، والعامل فيه فعل مضمر من لفظة كأنه قال : أسلم سلاماً، ويصح أن يكون :﴿سلاماً﴾ حكاية لمعنى ما قالوه لا للفظهم - قاله مجاهد والسدي - فلذلك عمل فيه القول، كما تقول - الرجل قال : لا إله إلاَّ الله - قلت حقاً أو إخلاصاً ؛ ولو حكيت لفظهم لم يصح أن تعمل فيه القول وقوله :﴿قال : سلام﴾ حكاية للفظه، و ﴿سلام﴾ مرتفع إما على الابتداء، والخبر محذوف تقديره عليكم، وإما على خبر ابتداء محذوف تقديره أمري سلام، وهذا كقوله :﴿فصبر جميل﴾(١) إما على تقدير فأمري صبر جميل، وإما على تقدير : فصبر جميل أجمل(٢).
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم :«قالوا : سلاماً قال : سلاَم » وقرأ حمزة والكسائي :«قالوا سلاماً، قال : سلم » وكذلك اختلافهم في سورة الذاريات(٣). وذلك على وجهين : يحتمل أن يريد به السلام بعينه، كما قالوا حل وحلال وحرم وحرام ومن ذلك قول الشاعر :[ الطويل ]
اكتلّ : اتخذ إكليلاً أو نحو هذا قال الطبري وروي : كما انكلّ - ويحتمل أن يريد ب «السلم » ضد الحرب، تقول نحن سلم لكم.
وكان سلام الملائكة دعاء مرجواً - فلذلك نصب - وحيي الخليل بأحسن مما حيي وهو الثابت المتقرر ولذلك جاء مرفوعاً(٥).
وقوله :﴿فما لبث أن جاء﴾ يصح أن تكون ﴿ما﴾ نافية، وفي ﴿لبث﴾ ضمير إبراهيم وإن جاء في موضع نصب أي بأن جاء، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ نافية وإن جاء بتأويل المصدر في موضع رفع ب ﴿لبث﴾ أي ما لبث مجيئه، وليس في ﴿لبث﴾ على هذا ضمير إبراهيم، ويصح أن يكون ﴿ما﴾ بمعنى الذي وفي ﴿لبث﴾ ضمير إبراهيم - وإن جاء خبر ﴿ما﴾ أي فلبث إبراهيم مجيئه بعجل حنيذ(٦)، وفي أدب الضيف أن يجعل قراه من هذه الآية.
و «الحنيذ » بمعنى المحنوذ ومعناه بعجل مشوي نضج يقطر ماؤه، وهذا القطر يفصل الحنيذ من جملة المشويات، ولكن هيئة المحنوذ في اللغة الذي يغطى بحجارة أو رمل محمي أو حائل بينه وبين النار يغطى به والمعرض(٧) من الشواء الذي يصفف على الجمر ؛ والمهضب(٨) : الشواء الذي بينه وبين النار حائل، يكون الشواء عليه لا مدفوناً له، والتحنيذ في تضمير الخيل هو أن يغطى الفرس بجل على جل(٩) لينتصب عرقه.
قال القاضي أبو محمد : وهذه الآية تقضي باشتراكهم في البشارة بإسحاق وقالت فرقة - وهي الأكثر - «البشرى » هي بإسحاق. وقالت فرقة :«البشرى » هي بإهلاك قوم لوط.
وقوله :﴿سلاماً﴾ نصب على المصدر، والعامل فيه فعل مضمر من لفظة كأنه قال : أسلم سلاماً، ويصح أن يكون :﴿سلاماً﴾ حكاية لمعنى ما قالوه لا للفظهم - قاله مجاهد والسدي - فلذلك عمل فيه القول، كما تقول - الرجل قال : لا إله إلاَّ الله - قلت حقاً أو إخلاصاً ؛ ولو حكيت لفظهم لم يصح أن تعمل فيه القول وقوله :﴿قال : سلام﴾ حكاية للفظه، و ﴿سلام﴾ مرتفع إما على الابتداء، والخبر محذوف تقديره عليكم، وإما على خبر ابتداء محذوف تقديره أمري سلام، وهذا كقوله :﴿فصبر جميل﴾(١) إما على تقدير فأمري صبر جميل، وإما على تقدير : فصبر جميل أجمل(٢).
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم :«قالوا : سلاماً قال : سلاَم » وقرأ حمزة والكسائي :«قالوا سلاماً، قال : سلم » وكذلك اختلافهم في سورة الذاريات(٣). وذلك على وجهين : يحتمل أن يريد به السلام بعينه، كما قالوا حل وحلال وحرم وحرام ومن ذلك قول الشاعر :[ الطويل ]
| مررنا فقلنا ابه سلم فسلمت | كما اكتلّ بالبرق الغمام اللوائح(٤) |
وكان سلام الملائكة دعاء مرجواً - فلذلك نصب - وحيي الخليل بأحسن مما حيي وهو الثابت المتقرر ولذلك جاء مرفوعاً(٥).
وقوله :﴿فما لبث أن جاء﴾ يصح أن تكون ﴿ما﴾ نافية، وفي ﴿لبث﴾ ضمير إبراهيم وإن جاء في موضع نصب أي بأن جاء، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ نافية وإن جاء بتأويل المصدر في موضع رفع ب ﴿لبث﴾ أي ما لبث مجيئه، وليس في ﴿لبث﴾ على هذا ضمير إبراهيم، ويصح أن يكون ﴿ما﴾ بمعنى الذي وفي ﴿لبث﴾ ضمير إبراهيم - وإن جاء خبر ﴿ما﴾ أي فلبث إبراهيم مجيئه بعجل حنيذ(٦)، وفي أدب الضيف أن يجعل قراه من هذه الآية.
و «الحنيذ » بمعنى المحنوذ ومعناه بعجل مشوي نضج يقطر ماؤه، وهذا القطر يفصل الحنيذ من جملة المشويات، ولكن هيئة المحنوذ في اللغة الذي يغطى بحجارة أو رمل محمي أو حائل بينه وبين النار يغطى به والمعرض(٧) من الشواء الذي يصفف على الجمر ؛ والمهضب(٨) : الشواء الذي بينه وبين النار حائل، يكون الشواء عليه لا مدفوناً له، والتحنيذ في تضمير الخيل هو أن يغطى الفرس بجل على جل(٩) لينتصب عرقه.
١ - من الآية (١٨) من سورة (يوسف)..
٢ - في بعض النسخ: فصبر جميل أمثل..
٣ - في قوله تعالى في الآية (٢٥): ﴿إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون﴾..
٤ - البيت في (اللسان-كلل) غير منسوب، وكذلك في (التاج)، بل أنشده ابن الأعرابي شاهدا على أن معنى "انكلّ السحاب واكتلّ": تبسم. و"اكتلّ الغمام البرق": لمع، وفي (اللسان-سلم) بيت آخر غير منسوب أيضا أنشده الفراء عن بعض الأعراب، وفيه اختلاف عن هذا البيت، قال الجوهري: وسلم بالكسر: السلام. وقال:
وقفنا فقلنا إيه سلم فسلمت فما كان إلا ومؤها بالحواجب
ومما يؤيد أنه بيت آخر أن صاحب اللسان عقّب روايته للبيت برأي لابن برّي قال فيه: والذي رواه القناني:
فقلنا السلام فاتقت من أسيرها وما كان إلا ومؤها بالحواجب
وعلى رواية القناني هذه لا يكون في البيت الشاهد.
هذا ومن المعاني التي وردت في قوله تعالى: ﴿قالوا سلاما﴾ ما ذكره ابن عرفة: "أي قالوا قولا يتسلمون فيه، ليس فيه تعدّ ولا مأثم"، وقيل: ﴿قالوا سلاما﴾ أي سدادا من القول وقصدا لا لغوا فيه..
٥ - يريد أن سلام الملائكة كان متجددا فناسبه النصب، وأن سلام إبراهيم الخليل كان ثابتا فناسبه الرفع..
٦ - قال الزمخشري: التقدير: فما لبث مجيئه، وقال أبو حيان: التقدير: فالذي لبثه، والخبر: مجيئه..
٧ - قال في الصحاح: "المعرض من اللحم: يقال للذي لم يبالغ في إنضاجه، قال الشاعر "سُليك بن السلكة".
سيكفيك صرب القوم لحم معرّض وماء قدور في القصاع مشيب
ويروى: "في الجفان" بدلا من "في القصاع"، ويروى "صرب" بالصاد والضاد..
٨ - لحم مضهّب: إذا شويّ ولم يبالغ في نضجه، قال امرؤ القيس:
نمش بأعراف الجياد أكفنا إذا نحن قمنا عن شواء مهضب.
٩ - الجلّ: كساء تغطى به الدابة وتصان، كالثوب للإنسان، والجمع: جلال وأجلال..
٢ - في بعض النسخ: فصبر جميل أمثل..
٣ - في قوله تعالى في الآية (٢٥): ﴿إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون﴾..
٤ - البيت في (اللسان-كلل) غير منسوب، وكذلك في (التاج)، بل أنشده ابن الأعرابي شاهدا على أن معنى "انكلّ السحاب واكتلّ": تبسم. و"اكتلّ الغمام البرق": لمع، وفي (اللسان-سلم) بيت آخر غير منسوب أيضا أنشده الفراء عن بعض الأعراب، وفيه اختلاف عن هذا البيت، قال الجوهري: وسلم بالكسر: السلام. وقال:
وقفنا فقلنا إيه سلم فسلمت فما كان إلا ومؤها بالحواجب
ومما يؤيد أنه بيت آخر أن صاحب اللسان عقّب روايته للبيت برأي لابن برّي قال فيه: والذي رواه القناني:
فقلنا السلام فاتقت من أسيرها وما كان إلا ومؤها بالحواجب
وعلى رواية القناني هذه لا يكون في البيت الشاهد.
هذا ومن المعاني التي وردت في قوله تعالى: ﴿قالوا سلاما﴾ ما ذكره ابن عرفة: "أي قالوا قولا يتسلمون فيه، ليس فيه تعدّ ولا مأثم"، وقيل: ﴿قالوا سلاما﴾ أي سدادا من القول وقصدا لا لغوا فيه..
٥ - يريد أن سلام الملائكة كان متجددا فناسبه النصب، وأن سلام إبراهيم الخليل كان ثابتا فناسبه الرفع..
٦ - قال الزمخشري: التقدير: فما لبث مجيئه، وقال أبو حيان: التقدير: فالذي لبثه، والخبر: مجيئه..
٧ - قال في الصحاح: "المعرض من اللحم: يقال للذي لم يبالغ في إنضاجه، قال الشاعر "سُليك بن السلكة".
سيكفيك صرب القوم لحم معرّض وماء قدور في القصاع مشيب
ويروى: "في الجفان" بدلا من "في القصاع"، ويروى "صرب" بالصاد والضاد..
٨ - لحم مضهّب: إذا شويّ ولم يبالغ في نضجه، قال امرؤ القيس:
نمش بأعراف الجياد أكفنا إذا نحن قمنا عن شواء مهضب.
٩ - الجلّ: كساء تغطى به الدابة وتصان، كالثوب للإنسان، والجمع: جلال وأجلال..