تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ) اختلفوا في هذه البشارة ؛ قال البشارة ؛ قال بعضهم : جاؤوهم ببشارة إسحاق وحافده[ في الأصل وم : وحافد ]، وهو قوله :( فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب )[ الآية : ٧١ ]، وقال بعضهم : جاؤوا ببشارة إهلاك قوم لوط وإنجاء لوط وأهله ؛ قيل : لأن لوطا كان ابن أخي إبراهيم، وكان لوط، فزع إلى الله بسوء عمل قومه وصنعهم، ودعا بالنجاة منهم، وهو قوله :( إني لعملكم من القالين )الآية[الشعراء: ١٦٨] حتى ذكر في بعض القصة أن سارة قالت لإبراهيم : ضم ابن أخيك إلى نفسك فإن قومه يعذبونه كأنها عرفت أنه لا يتركهم على ما هم عليه بسوء عملهم.
قالوا بالبشارتين جميعا بشارة الولد والحافد وبشارة هلاك قوم لوط ونجاة لوط وأهله. إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.
وقوله تعالى :( قالوا سلاما قال سلام ) هذا يدل أن السلام هو سنة الأنبياء والرسل والملائكة في الدنيا والآخرة، لم تخص هذه الأمة، بل كانت[ من م، في الأصل : كان ] سنة الرسل الماضية والأمم السالفة. هو تحية أهل الجنة كقوله[ في الأصل وم : بقوله ] :( سلام عليكم طبتم )[الزمر: ٧٣] ونحوه. هذا يدل ما ذكرنا.
ثم انتصاب قوله :( سلاما ) وارتفاع الثاني لأن الأول انتصب لوقوع القول كقولك : قال : قولا، [ وارتفع الثاني ][ في الأصل وم : والثاني ] حكاية لقولهم.
وقوله تعالى :( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ) وقوله :( فما لبث أن جاء ) أي ما لبث عندهم حتى اشتغل بتقديم شيء إليهم، وإلا قد يكون في ذبح العجل وشويه لبث إلا أن يكون العجل مشويا. فإن لم يكن مشويا فتأويله ما ذكرنا أن لم يلبث عندهم في المؤانسة والحديث معهم على ما يفعل مع الأضياف حتى جاء بما ذكر.
وفيه ما ذكرنا من الأدب، وفيه دلالة في من نزل به ضيف ألا يشتغل بالسؤال عن أحوال ضيفه : من أين ؟ وإلى أين ؟ وما حاجتهم ؟ ولكن يشتغل بقراهم وإزاحة حاجتهم ؛ لأن إبراهيم، صلوات الله تعالى عليه، إنما اشتغل بقراهم، لم يشتغل بالسؤال عن أحوالهم، ولكن اشتغل بما ذكر :( أن جاء بعجل حنيذ ) وهذا هو الأدب للضيف[ في الأصل وم : بالضيف ]. ألا ترى أنه لو كان سأل عن أحولهم، فعرف أنهم من الملائكة لكان لا يشتغل بما ذكرنا إذا عرف أنهم من الملائكة، لا يتناولون شيئا من الطعام ؟
وقوله تعالى :( بعجل /٢٤٣-أ/ حنيذ ) قال بعضهم : الحنيذ السمين، وهو ما ذكر في موضع آخر ( فجاء بعجل سمين )[الذاريات: ٢٦]. وقال بعضهم : الحنيد المشوي الذي حنذ في الأرض ؛ حنذ فحُمي : شوي بالحجر المحمي.
وقال بعضهم : الحنيذ هو المشوي الذي يسيل منه الماء. وقال ابن عباس : هو نضيج، الحنيذ النضيج.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى