تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ يقول تعالى : ولئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء المشركين إلى أجل معدود وأمد محصور، وأوعدناهم به إلى مدة مضروبة، ليقولن تكذيبا واستعجالا ﴿مَا يَحْبِسُهُ﴾ أي : يؤخر هذا العذاب عنا، فإن سجاياهم قد ألفت التكذيب والشك، فلم يبق لهم محيص عنه ولا محيد.
و " الأمة " تستعمل في القرآن والسنة في معان متعددة، فيراد بها : الأمد، كقوله في هذه الآية :﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ وقوله في [ سورة ](١) يوسف :﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، وتستعمل في الإمام المقتدى به، كقوله :﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، وتستعمل في الملة والدين، كقوله إخبارا عن المشركين أنهم قالوا :﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، وتستعمل في الجماعة، كقوله :﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]، وقال تعالى :﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى :﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧].
والمراد من الأمة هاهنا : الذين يبعث فيهم الرسول(٢) مؤمنهم وكافرهم، كما [ جاء ](٣) في صحيح مسلم :" والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار " (٤).
وأما أمة الأتباع، فهم المصدقون للرسل، كما قال تعالى :﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وفي الصحيح :" فأقول : أمتي أمتي ".
وتستعمل الأمة في الفرقة والطائفة، كقوله تعالى :﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، وقال تعالى :﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣].
١ - زيادة من أ..
٢ - في أ :"الرسل"..
٣ - زيادة من ت..
٤ - صحيح مسلم برقم (١٥٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى