جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿اللّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَوَيْلٌ لّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والشام : اللّهُ الّذِي لَهُ ما فِي السّمَوَاتِ برفع اسم الله على الابتداء، وتصيير قوله : الّذِي لَهُ ما فِي السّمَوَاتِ خبره. وقرأته عامّة قرّاء أهل العراق والكوفة والبصرة : اللّهِ الّذِي بخفض اسم الله على إتباع ذلك العَزِيزِ الحَمِيدِ وهما خفض.
وقد اختلف أهل العربية في تأويله إذا قرىء كذلك، فذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقرؤه بالخفض ويقول : معناه : بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، الذي له ما في السموات، ويقول : هو من المؤخر الذي معناه التقديم، ويمثله بقول القائل : مررت بالظريف عبد الله، والكلام الذي يوضع مكان الاسم : النعت، ثم يجعل الاسم مكان النعت، فيتبع إعرابه إعراب النعت الذي وضع موضع الاسم كما قال بعض الشعراء :
| لَوْ كُنْتَ ذَا نَبْلٍ وذَا شَرِيبِ | ما خِفْتَ شَدّاتِ الخَبِيثِ الذّيبِ |
والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء معناهما واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد يجوز أن يكون الذي قرأه بالرفع، أراد معنى من خفض في إتباع الكلام بعضه بعضا، ولكنه رفع لانفصاله من الآية التي قبله، كما قال جلّ ثناؤه : إنّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأمْوَالَهُمْ. . . إلى آخر الاَية، ثم قال : التّائِبُونَ العابِدُونَ. ومعنى قوله : اللّهُ الّذِي لَهُ ما فِي السّمَوَاتِ وَما فِي الأرْضِ الله الذي يملك جميع ما في السموات وما في الأرض يقول لنبيه محمد ﷺ : أنزلنا إليك هذا الكتاب لتدعو عبادي إلى عبادة من هذه صفته، ويدعوا عبادة من لا يملك لهم ولا لنفسه ضرّا ولا نفعا من الآلهة والأوثان. ثم توعد جلّ ثناؤه من كفر به ولم يستجب لدعاء رسوله إلى ما دعاه إليه من إخلاص التوحيد له، فقال : وَوَيْلٌ للكافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ يقول : الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم، لمن جحد وحدانيته وعبد معه غيره، من عذاب الله الشديد.