تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال البخاري : حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مَرْثَد قال : سمعت سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب، رضي الله عنه ؛ أن رسول الله ﷺ قال :" المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله :﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (١).
ورواه مسلم أيضا وبَقِيَّة الجماعة كلهم، من حديث شعبة، به(٢).
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال : خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود يَنْكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال :" استعيذوا بالله من عذاب القبر "، مرتين أو ثلاثا، ثم قال :" إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحَنُوط من حَنُوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر. ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول : أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ". قال :" فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فِي السِّقَاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنُوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها، فلا يمرون - يعني بها - على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح [ الطيب ](٣) ؟ فيقولون : فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي [ كانوا ](٤) يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عِليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى ".
قال :" فتُعَاد روحه [ في جسده ](٥) فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله. فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام. فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله. فيقولان له : وما علمك ؟ فيقول : قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء : أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة - قال : فيأتيه من رَوْحِها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره. ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول : أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له من أنت ؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول : أنا عملك الصالح. فيقول : رب أقم الساعة. رب، أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي ".
قال :" وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المُسُوح، فجلسوا منه مد البصر. ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول : أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سَخَط من الله وغَضَب ". قال :" فتَفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفُّود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها(٦) في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح. ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على مَلأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث ؟ فيقولون : فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمونه بها في الدنيا [ حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا ](٧) فيستفتح له فلا يفتح له ". ثم قرأ رسول الله ﷺ :﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فيقول الله :" اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا ". ثم قرأ :﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١].
" فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له : من ربك ؟ فيقول : هاه هاه، لا أدري. فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : هاه هاه، لا أدري. فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هاه هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء : أن كذب فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول : أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول : ومن أنت فوجهك [ الوجه ](٨) يجيئ بالشر. فيقول : أنا عملك الخبيث، فيقول : رب، لا تقم الساعة ".
ورواه أبو داود من حديث الأعمش، والنسائي وابن ماجة من حديث المنهال بن عمرو، به(٩).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن يونس بن خباب(١٠) عن المِنْهَال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، رضي الله عنه، قال : خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى جنازة، فذكر نحوه.
وفيه :" حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، [ وكل ملك في السماء ](١١) وفتحت أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله، عز وجل، أن يعرج بروحه من قبلهم ".
وفي آخره :" ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، وفي يده مرزبَّة لو ضرب بها جبل لكان ترابا، فيضربه ضربة فيصير ترابا. ثم يعيده الله، عز وجل، كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين ". قال البراء : ثم يفتح له باب إلى النار، ويمهد من فرش النار(١٢).
وقال سفيان الثوري، عن أبيه، عن خَيْثَمَة، عن البراء في قوله تعالى :﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال : عذاب القبر.
وقال المسعودي، عن عبد الله بن مُخَارق، عن أبيه، عن عبد الله قال : إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له : من ربك ؟ ما دينك ؟ من نبيك ؟ فيثبته الله، فيقول : ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ. وقرأ عبد الله :﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (١٣).
وقال الإمام عبد بن حميد، رحمه الله، في مسنده : حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال : قال رسول الله ﷺ :" إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم ". قال :" فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ " قال :" فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ". قال :" فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة ". قال نبي الله ﷺ :" فيراهما جميعا ". قال قتادة : وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا، ويملأ عليه خَضِرًا إلى يوم القيامة.
رواه مسلم عن عبد بن حميد، به(١٤) وأخرجه النسائي من حديث يونس بن محمد المؤدب، به(١٥).
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جُرَيْج، أخبرني أبو الزبير، أنه سأل جابر بن عبد الله عن فَتَّاني القبر فقال : سمعت النبي ﷺ يقول :" إن هذه الأمة تُبْتَلَى في قبورها، فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه، جاء ملك شديد الانتهار، فيقول له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول المؤمن : أقول : إنه رسول الله وعبده. فيقول له الملك : انظر إلى مقعدك الذي كان لك في النار، قد أنجاك الله منه، وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة، فيراهما كليهما. فيقول المؤمن : دعوني أبشر أهلي. فيقال له : اسكن. وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أهله، فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري، أقول كما يقول الناس. فيقال له : لا دريت، هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة، قد أبدلت مكانه مقعدك من النار ".
قال جابر : فسمعت النبي ﷺ يقول :" يبعث كل عبد في القبر على ما مات، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه ".
إسناده(١٦) صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه(١٧)-(١٨).
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر، حدثنا عباد بن راشد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال : شَهِدنا مع رسول الله ﷺ جنازة، فقال رسول الله ﷺ :" يا أيها الناس، إن هذه الأمة تُبتَلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مطراق فأقعده، قال : ما تقول في هذا الرجل ؟ فإن كان مؤمنا قال : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله(١٩) فيقول له : صدقت. ثم يفتح له بابا إلى النار، فيقول : هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت فهذا منزلك. فيفتح له بابا إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه، فيقول له : اسكن. ويفسح له في قبره ". " وإن كان كافرا أو منافقا يقول(٢٠) له : ما تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا(٢١) فيقول : لا دريت ولا تليت ولا اهتديت. ثم يفتح له بابا إلى الجنة، فيقول له : هذا
منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به فإن الله، عز وجل، أبدلك به هذا. فيفتح(٢٢) له بابا إلى النار، ثم يقمَعه قمعةً بالمطراق يسمعها خَلْقُ الله، عز وجل، كلهم غير الثقلين ". فقال بعض القوم : يا رسول الله، ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق(٢٣) إلا هيل عند ذلك. فقال رسول الله ﷺ :﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (٢٤).
وهذا أيضا إسناد لا بأس به، فإن عباد بن راشد التميمي روى له البخاري مقرونا، ولكن ضعفه بعضهم.
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يَسَار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم(٢٥) إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا : اخرجي أيتها النفس المطمئنة(٢٦) كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان ". قال :" فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يُعْرَج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال : من هذا ؟ فيقال : فلان. فيقولون : مرحبا بالروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان " قال : فلا يزال يقال لها ذلك، حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل.
وإذا كان الرجل السوء قالوا : اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغَسَّاق، وآخر من شكله أزواج. فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إل
١ - صحيح البخاري برقم (٤٦٩٩)..
٢ - صحيح مسلم برقم (٢٨٧١) وسنن أبي داود برقم (٤٧٥٠) وسنن الترمذي برقم (٣١٢٠) وسنن النسائي (٤/١٠١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٦٩)..
٣ - زيادة من ت، أ، والمسند..
٤ - زيادة من ت، أ، والمسند..
٥ - زيادة من ت، أ، والمسند..
٦ - في أ :"لم يدعها"..
٧ - زيادة من ت، أ، والمسند..
٨ - زيادة من ت، أ، والمسند..
٩ - المسند (٤/٢٨٧) وسنن أبي داود برقم (٤٧٥٣) وسنن النسائي برقم (٤/٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (١٥٤٨)..
١٠ - في هـ، أ :"يونس بن حبيب" والمثبت من ت والمسند..
١١ - زيادة من ت، أ، والمسند..
١٢ - المسند (٤/٢٩٥)..
١٣ - رواه الطبري في تفسيره (١٦/٥٩٧)..
١٤ - المنتخب لعبد بن حميد برقم (١١٧٨) وصحيح مسلم برقم (٢٨٧٠)..
١٥ - سنن النسائي (٤/٩٧)..
١٦ - في ت :"إسناد"..
١٧ - في ت :"ولم يخرجوه"..
١٨ - الذي في المسند (٣/٣٤٦) : حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير به، وكذا في أطراف المسند لابن حجر (٢/١١٠)..
١٩ - في أ :"وأن محمدا رسول الله"..
٢٠ - في ت، أ :"فيقول"..
٢١ - في أ :"شيئا فقلته"..
٢٢ - في ت :"ففتح"..
٢٣ - في ت :"مطرقة"..
٢٤ - المسند (٣/٣)..
٢٥ - في ت، أ :"عن النبي ﷺ أنه قال"..
٢٦ - في ت، أ :"الطيبة"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى