تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) القول الثابت : كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، وقال :( يثبت الله ) لأنه هو المثبت للإيمان في قلوب المؤمنين.
وقوله :( في الحياة الدنيا ) يعني : قبل الموت. وقوله ( [ و ] في الآخرة ) أي : في القبر، وعليه أكثر أهل التفسير، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ برواية البراء بن عازب (١)، وهو قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجماعة من الصحابة.
واعلم أن سؤال القبر ثابت في السنة، والإيمان به واجب، وقد وردت فيه الأخبار الكثيرة، روى أبو سعيد الخدري :«أن النبي ﷺ كان في جنازة، فذكر لأصحابه أنه يدخل على الرجل في قبره ملكان ويسألانه، فيقولان : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ قال : فأما المؤمن فيقول : ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ﷺ. فيفتح له باب إلى النار، فيقال له : هذا كان مكانك لو قلت غير هذا، ثم يفتح له باب إلى الجنة، ويفسح له في قبره مد البصر. وأما الكافر فيقول الملكان له : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ فيقول : لا أدري، فيقولان : لا دريت ولا تليت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقولان : هذا مكانك لو أجبت، ثم يفتح له باب إلى النار، ويضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، ويضربانه بمطرقة من نار فيصيح صيحة يسمعها كل الخلائق إلا الثقلين » (٢).
وفي بعض الأخبار :«أن النبي ﷺ قال : لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا سعد بن معاذ، ولقد ضمه القبر ضمة أو ضمتين » (٣) وروي أن النبي ﷺ قال لعمر :«كيف بك إذا أتاك ملكان. . . » الخبر. فقال : يا رسول الله، ومعي عقلي ؟ قال : نعم. قال : أكفيهما إذاً » (٤).
وقيل : إن عذاب القبر ثلاثة أثلاث : ثلث من ترك الاستنزاه من البول، وثلث من الغيبة، وثلث من المشي بالنميمة. والله أعلم.
وفي الآية قول آخر : أن الحياة الدنيا هي القبر، وفي الآخرة هي القيامة، والقول الأول أصح.
وقوله :( ويضل الله الظالمين ) معناه : أنه لا يهدي المشركين إلى هذا الجواب، ولا يلقنهم إياه. وقوله :( ويفعل الله ما يشاء ) من التوفيق والخذلان والتثبيت وترك التثبيت.
١ - متفق عليه، رواه البخاري (٣/٢٧٤ رقم ١٣٦٩)، ومسلم (١٧/٢٩٧ رقم ٢٨٧١)..
٢ - رواه أحمد في مسنده (٣/٤٢٣)، وابن أبي عاصم في السنة (ص ٤٠٣-٤٠٥ رقم ٨٦٥) والطبري في التفسير (١٣/١٤٢). وعزاه السيوطي في الدر (٤/٩٠) لابن أبي الدنيا في ذكر الموت، والبزار، وانب مردويه، والبيهقي في عذاب القبر، وقال: بسند صحيح. وقال الهيثمي في المجمع (٣/٥٠): رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح..
٣ - روأه أحمد في المسند (٦/٥٥، ٩٨)، والبغوي في الجعديات [١٦٠١]، والطحاوي في الشكل [٢٧٤]، [٢٧٥]، وابن حبان في صحيحه –الإحسان- (٧/٣٧٩ رقم ٣١١٢) من طريق نافع عن صفية عن عائشة، وبعضهم قال: عن نافع عن امرأة ابن عمر عن عائشة. ورواه أحمد في السنة (ص ٢٤٦ رقم ١٣٣٧) والطحاوي في الشكل رقم [٢٧٣] من طريق آخر عن نافع عن عائشة. وقال الهيثمي في المجمع (٣/٤٩) رواه أحمد عن نافع عن عائشة، وعن نافع عن إنسان عن عائشة، وكلا الطريقين رجالهما رجال الصحيح ولهذا الحديث شاهد من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس..
٤ - رواه ابن أبي داود في البعث والنشور (ص ٢١/ رقم ٧)، والبيهقي في الاعتقاد (ص ٢٢٢-٢٢٣) من حديث عمر بن الخطاب، وعزاه السيوطي في الدر (٤/٩٣) للحاكم في التاريخ، والبيهقي في عذاب القبر. وعزاه الحافظ ابن رجب في أهوال القبور (ص ١٤-١٥) للخلال في كتاب السنة من حديث عمر أيضا. وقال: في إسناده ضعف، ثم قال: وخرجه الإسماعيلي من وجه آخر فيه ضعف أيضا عن عمر، ثم قال: وقد روى حديث عمر هذا من وجوه آخر مرسلة.
قلت: رواه الآجري في الشريعة (ص ٣٦٦-٣٦٧) عن عطاء مرسلا. ورواه البيهقي في عذاب القبر عن ابن عباس – كما في الدر المنثور (٤/٩٢) وعزاه السيوطي في الدر أيضا (٤/٩٣) لابن أبي الدنيا عن ابي هريرة مختصرا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى