الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج الطيالسي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن البراء بن عازب رضي الله عنه : أن رسول الله ﷺ قال :«المسلم إذا سئل في القبر، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فذلك قوله سبحانه ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ».
وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قول الله ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ قال : ذلك في القبر، إن كان صالحاً وفق، وإن كان لا خير فيه وجد أثلة.
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة في المصنف، وأحمد بن حنبل وهناد بن السري في الزهد، وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في كتاب عذاب القبر، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال :« خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله - وكأن على رؤوسنا الطير - وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال : استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً، ثم قال : إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر. ثم يجيء ملك الموت، ثم يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال : فتخرج. . . تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، وإن كنتم ترون غير ذلك، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب ؟. . . فيقولون : فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى تنتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله. فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإِسلام. فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله. فيقولان له : وما علمك ؟ فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدّقت. فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول : أبشر بالذي يسرك. . . هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له : من أنت ؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول له : أنا عملك الصالح. فيقول : رب أقم الساعة. . . رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
قال : وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح. فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب. فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح. ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها. . . فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة. إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث ؟ !. . . فيقولون : فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا. حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح فلا يفتح له.
ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ [الأعراف: ٤٠] فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى. فتطرح روحه طرحاً.
ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ [الحج: ٣١] فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : هاه. . . هاه ؟ !. . . لا أدري. فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : هاه. . . هاه ؟ !. . . لا أدري، فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول : هاه. . . هاه. . . لا أدري. فينادي مناد من السماء، أن كذب عبدي، فافرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول : أبشر بالذي يسوءك. . . هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول : من أنت ؟ !. . . فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول : أنا عملك الخبيث. فيقول : رب لا تقم الساعة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب رضي الله عنه ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ قال : التثبيت في الحياة الدنيا، إذا جاء الملكان إلى الرجل والقبر فقالا له : من ربك ؟ قال : ربي الله.
قالا : وما دينك ؟ قال : ديني الإِسلام. قالا : ومن نبيك ؟ قال : نبيي محمد فذلك التثبيت في الحياة الدنيا.
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ قال :«﴿في الآخرة﴾ القبر ».
وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ قال : المخاطبة في القبر : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟. . .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت :« قال النبي ﷺ في قول الله ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ قال : هذا في القبر ».
وأخرج البيهقي في عذاب القبر عن عائشة رضي الله عنها قالت :«قال رسول الله ﷺ : بي يفتن أهل القبور وفيه نزلت ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾.
وأخرج البزار عن عائشة قالت :" قلت يا رسول الله، تبتلى هذه الأمة في قبورها، فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة ؟. . . قال :«﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ».
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال، «وذكر قبض روح المؤمن : فيأتيه آت فيقول : من ربك ؟ فيقول : الله. فيقول : وما دينك ؟ فيقول : الإِسلام. فيقول : ومن نبيك ؟ فيقول : محمد. ثم يسأل الثانية فيقول مثل ذلك، ثم يسأل الثالثة ويؤخذ أخذاً شديداً فيقول مثل ذلك. فذلك قول الله ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في عذاب القبر، عن ابن عباس قال : إن المؤمن إذا حضره الموت، شهدته الملائكة فسلموا عليه وبشروه بالجنة، فإذا مات، مشوا معه في جنازته ثم صلوا عليه مع الناس، فإذا دفن، أجلس في قبره فيقال له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله. فيقال له من رسولك ؟ فيقول : محمد. فيقال له : ما شهادتك ؟ فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
فذلك قوله ﴿يثبت الله الذين آمنوا. . .﴾ الآية. فيوسع له في قبره مد بصره. وأما الكافر، فتنزل الملائكة فيبسطون أيديهم - والبسط هو الضرب - يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت، فإذا دخل قبره أقعد فقيل له من ربك ؟ فلم يرجع إليهم شيئاً وأنساه الله ذكر ذلك. وإذا قيل له : من الرسول الذي بعث إليكم ؟ لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئاً، فذلك قوله ﴿ويضل الله الظالمين﴾.
وأخرج ابن جرير والطبراني والبيهقي في عذاب القبر، عن ابن مسعود قال : إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له : من ربك، وما دينك، ومن نبيك ؟ فيقول : ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيي محمد.
فيوسع له في قبره ويفرج له فيه. ثم قرأ ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت. . .﴾ الآية.
وإن الكافر إذا دخل قبره أجلس فقيل له : من ربك، وما دينك، ومن نبيك ؟ فيقول : لا أدري. فيضيق عليه قبره ويعذب فيه. ثم قرأ ابن مسعود ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا﴾ [طه: ١٢٤].
وأخرج ابن أبي حاتم وابن منده والطبراني في الأوسط، عن أبي قتادة الأنصاري قال : إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له : من ربك ؟ فيقول : الله. فيقال له : من نبيك ؟ فيقول : محمد بن عبد الله. فيقال له ذلك ثلاث مرات، ثم يفتح له باب إلى النار فيقال له : انظر إلى منزلك لو زغت. ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له : انظر إلى منزلك في الجنة أن ثبتّ.
وإذا مات الكافر، أجلس في قبر فيقال : من ربك ؟ من نبيك ؟. . . فيقول : لا أدري. . . كنت أسمع الناس يقولون. فيقال له : لا دريت. ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له : انظر إلى منزلك لو ثَبَتّ، ثم يفتح له باب إلى النار فيقال له : انظر إلى منزلك إذ زغت. فذلك قوله ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ قال : لا إله إلا الله ﴿وفي الآخرة﴾ قال : المسألة في القبر.
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وابن أبي عاصم في السنة، والبزار وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في عذاب القبر بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدري قال :« شهدت مع رسول الله ﷺ جنازة فقال : يا أيها الناس، إن هذه الأمة تبتلى في قبورها. . . فإذا الإِنسان دفن فتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مطراق فأقعده قال : ما تقول في هذا الرجل ؟ فإن كان مؤمناً قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فيقول له : صدقت. ثم يفتح له باب إلى النار فيقول له : هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت فهذا منزلك. فيفتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه فيقول له : اسكن. ويفسح له في قبره.
وإن كان كافراً أو منافقاً، قيل له : ما تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري. . . سمعت الناس يقولون شيئاً. فيقول : لا دريت ولا تليت ولا اهتديت. ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول : هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به، فإن الله أبدلك منه هذا، ويفتح له باب إلى النار، ثم يقمعه مقمعة بالمطراق يسمعها خلق الله كلها غير الثقلين. فقال بعض القوم : يا رسول الله، ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق إلا هبل عن ذلك.
فقال رسول الله ﷺ «﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ ».
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه، عن أبي هريرة قال :«شهدنا جنازة مع رسول الله ﷺ، فلما فرغ من دفنها وانصرف الناس قال : إنه الآن يسمع خفق نعالكم، أتاه منكر ونكير. . . عيناهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد، فيجلسانه فيسألانه

تفسير هذه الآية من كتب أخرى