غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
سورة إبراهيم عليه السلام مكية غير آيتين نزلتا في بدر ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا﴾ الآيتان حروفها ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وثلاثون كلها ثمانمائة وخمسة وخمسون آياتها اثنتان وخمسون.
ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال :﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال. هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا. عن ابن عباس : من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها. وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك. والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار. وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة. فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت. وقيل : معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سبب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة. ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله :﴿في الحياة الدنيا﴾ متعلقاً بقوله :﴿ويثبت﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله سبحانه :﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾
[النحل: ٩٧] ﴿ويضل الله الظالمين﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري. ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ من التثبيت والإضلال. ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿وبرزوا﴾ من القشور الفانية ﴿لله جميعاً﴾ من القويّ والضعيف ﴿فقال الضعفاء﴾ وهم المقلدة ﴿للذين استكبروا﴾ من المبتدعين ﴿إني كفرت بما أشكرتموني﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿وأدخل﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿جنات﴾ القلوب ﴿تجري من تحتها﴾ أنهار الحكمة ﴿خالدين فيها بإذن ربهم﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم. تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم
﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾
[الفرقان: ٦٣] ﴿ألم تر﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿كيف ضرب الله مثلاً﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿كلمة طيبة﴾ هي كلمة التوحيد ﴿كشجرة طيبة﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿أصلها ثابت﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿وفرعها﴾ في سماء القلوب ﴿تؤتي أكلها﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿كل حين﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه ﴿ويضرب الله الأمثال للناس﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿لعلهم يتذكرون﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ومثل كلمة﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿اجتثت من فوق﴾ أرض البشرية ﴿ما لها من قرار﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات. ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً. ﴿وأحلوا قومهم﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿الله الذي خلق﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿وأنزل من﴾ سماء القلوب ﴿ماء﴾ الحكمة ﴿فأخرج به﴾ ثمرات الطاعات ﴿رزقاً﴾ لأرواحكم ﴿وسخر لكم﴾ فلك الشريعة ﴿لتجري في﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع. وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿وسخر لكم﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية. ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة وكلها مخلوق لاستكماله ﴿إن الإنسان لظلوم﴾ بإفساد استعداده ﴿كفار﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال :﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال. هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا. عن ابن عباس : من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها. وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك. والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار. وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة. فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت. وقيل : معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سبب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة. ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله :﴿في الحياة الدنيا﴾ متعلقاً بقوله :﴿ويثبت﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله سبحانه :﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾
[النحل: ٩٧] ﴿ويضل الله الظالمين﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري. ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ من التثبيت والإضلال. ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.
﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾
[الفرقان: ٦٣] ﴿ألم تر﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿كيف ضرب الله مثلاً﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿كلمة طيبة﴾ هي كلمة التوحيد ﴿كشجرة طيبة﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿أصلها ثابت﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿وفرعها﴾ في سماء القلوب ﴿تؤتي أكلها﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿كل حين﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه ﴿ويضرب الله الأمثال للناس﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿لعلهم يتذكرون﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ومثل كلمة﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿اجتثت من فوق﴾ أرض البشرية ﴿ما لها من قرار﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات. ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً. ﴿وأحلوا قومهم﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿الله الذي خلق﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿وأنزل من﴾ سماء القلوب ﴿ماء﴾ الحكمة ﴿فأخرج به﴾ ثمرات الطاعات ﴿رزقاً﴾ لأرواحكم ﴿وسخر لكم﴾ فلك الشريعة ﴿لتجري في﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع. وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿وسخر لكم﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية. ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة وكلها مخلوق لاستكماله ﴿إن الإنسان لظلوم﴾ بإفساد استعداده ﴿كفار﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.