البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الختار : شديد الغدر، ومنه قولهم :
إنك لا تمد إلينا شبراً من غدرإلا مددنا لك باعاً من ختر
وقال عمرو بن معدي كرب :
وإنك لو رأيت أبا عميرملأت يديك من غدر وختر
وقال الأعشى :
فالأيلق الفرد من تيماء منزلهحصن حصين وجار غير ختار
وقوله :﴿وإذا غشيهم﴾، فيه التفات خرج من ضمير الخطاب في ﴿ليريكم﴾ إلى ضمير الغيبة في ﴿غشيهم﴾.
و ﴿موج﴾ : اسم جنس يفرق بينه وبين مفرده بتاء التأنيث، فهو يدل على الجمع، ولذلك شبهه بالجمع.
﴿فمنهم مقتصد﴾، قال الحسن : أي مؤمن يعرف حق الله في هذه النعم.
وقال مجاهد : مقتصد على كفره : أي يسلم لله ويفهم أن نحو هذا من القدرة، وإن ضل في الأصنام من جهة أنه يعظمها.
قيل : أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر.
قال الزمخشري : يعني أن ذلك الإخلاص الحادث عند الخوف لا ينبغي لأحد قط. انتهى.
وكثر استعمال الزمخشري قط ظرفاً، والعامل فيه غير ماضٍ، وهو مخالف لكلام العرب في ذلك.
فقبل حذف مقابل فمنهم مؤمن مقتصد تقديره : ومنهم جاحد ودل عليه، قوله :﴿وما يجحد بآياتنا﴾.
وعلى هذا القول يكون مقتصد معناه : مؤمن مقتصد في أقواله وأفعاله بين الخوف والرجاء، موف بما عاهد الله عليه في البحر، وختم هنا ببنيتي مبالغة، وهما :﴿ختار﴾، و ﴿كفور﴾.
فالصبار الشكور معترف بآيات الله، والختار الكفور يجحد بها.
وتوازنت هذه الكلمات لفظاً ومعنىً.
أما لفظاً فظاهر، وأما معنىً فالختار هو الغدار، والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر، لأن الصبارّ يفوّض أمره إلى الله، وأما الغدار فيعهد ويغدر، فلا يصبر على العهد : وأما الكفور فمقابلته معنى للشكور واضحة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى