فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿يا يحيى﴾ ها هنا حذف، وتقديره : وقال الله للمولود : يا يحيى، أو فولد له مولود فبلغ المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فيه، فقلنا له : يا يحيى. وقال الزجاج : المعنى فوهبنا له وقلنا له : يا يحيى. والمراد بالكتاب : التوراة لأنه المعهود حينئذٍ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن، والمراد بالأخذ : إما الأخذ الحسي أو الأخذ من حيث المعنى، وهو القيام بما فيه كما ينبغي، وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به، والإحجام عن المنهيّ عنه، ثم أكده بقوله :﴿بقُوَّةَ﴾ أي بجدّ وعزيمة واجتهاد ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً﴾ المراد بالحكم : الحكمة، وهي الفهم للكتاب الذي أمر بأخذه وفهم الأحكام الدينية. وقيل : هي العلم وحفظه والعمل به وقيل : النبوّة وقيل : العقل، ولا مانع من أن يكون الحكم صالحاً لحمله على جميع ما ذكر. قيل : كان يحيى عند هذا الخطاب له ابن سنتين، وقيل : ابن ثلاث.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿يا يحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾ قال : بجدّ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً﴾ قال : الفهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : يقول : اعمل بما فيه من فرائض. وأخرج ابن المنذر عن مالك بن دينار قال : اللب. وأخرج أبو نعيم والديلمي وابن مردويه عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ في قوله :﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً﴾ قال :( أعطي الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين ) وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم عن قتادة : بدله وهو ابن ثلاث سنين. وأخرج الحاكم في تاريخه من طريق نهشل بن سعد عن الضحاك عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :( قال الغلمان ليحيى بن زكريا : اذهب بنا نلعب، فقال يحيى : ما للعب خلقنا، اذهبوا نصلي فهو قول الله :﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً﴾ ) وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :( من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحكم صبياً ) وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفاً. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله :﴿وَحَنَانًا﴾ قال : لا أدري ما هو إلا أني أظنه يعطف الله على عبده بالرحمة، وقد فسرها جماعة من السلف بالرحمة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وزكاة﴾ قال : بركة، وفي قوله :﴿وَكَانَ تَقِيّا﴾ قال : طهر فلم يعمل بذنب.