زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ﴾ وقرأ عكرمة، وإبراهيم النخعي، وعاصم الجحدري :" المخاض " بكسر الميم.
قال الفراء : المعنى : فجاء بها المخاض، فلما ألقيت الباء، جعلت في الفعل ألفاً، ومثله :﴿آتنا غَدَاءنَا﴾ [الكهف: ٦٢] أي : ومثله :﴿آتوني زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] أي : بزبر الحديد. قال أبو عبيدة : أفعلها من جاءت هي، وأجاءها غيرها. وقال ابن قتيبة : المعنى : جاء بها، وألجأها، وهو من حيث : يقال جاءت بي الحاجة إليك، وأجاءتني الحاجة إليك، والمخاض : الحمل. وقال غيره : المخاض : وجع الولادة. ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وهو ساق النخلة، وكانت نخلة يابسة في الصحراء، ليس لها رأس ولا سعف. ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ اليوم، أو هذا الأمر. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص :" مِت " بكسر الميم.
وفي سبب قولها هذا قولان :
أحدهما : أنها قالته حياء من الناس.
والثاني : لئلا يأثموا بقذفها.
قوله تعالى :﴿وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، بكسر النون. وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم :" نسيا " بفتح النون، قال الفراء : وأصحاب عبد الله يقرؤون :" نسيا " بفتح النون، وسائر العرب بكسرها، وهما لغتان، مثل الجَسر والجِسر، والوتر والوتر، والفتح أحب إليّ. قال أبو علي الفارسي : الكسر على اللغتين. وقال ابن الأنباري : من كسر النون قال : النسي : اسم لما ينسى، بمنزلة البغض اسم لما يبغض، والسب اسم لما يسب. والنسي بفتح النون : اسم لما ينسى أيضاً على أنه مصدر ناب عن الاسم، كما يقال : الرجل دَنِف ودَنَف. فالمكسور : هو الوصف الصحيح، والمفتوح : مصدر سد مسد الوصف. ويمكن أن يكون النسي والنسي اسمين لمعنى، كما يقال : الرِطل والرَطل.
وللمفسرين في قوله تعالى :﴿نَسْياً مَّنسِيّاً﴾ خمسة أقوال :
أحدها : يا ليتني لما أكن شيئا، قاله الضحاك عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وابن زيد.
والثاني :" وكنت نسيا منسيا " أي : دم حيضة ملقاة، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة. قال الفراء : النسي : ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها. وقال ابن الأنباري : هي خرق الحيض تلقيها المرأة فلا تطلبها ولا تذكرها.
والثالث : أنه من السقط، قاله أبو العالية، والربيع.
والرابع : أن المعنى : يا ليتني لا يدري من أنا، قاله قتادة.
والخامس : أنه الشيء التافه يرتحل عنه القوم، فيهون عليهم فلا يرجعون إليه، قاله ابن السائب. وقال أبو عبيدة : النسي، والمنسي : ما ينسى من إدارة وعصا.
يعني أنه ينسى في المنزل، فلا يرجع إليه لاحتقار صاحبه إياه. وقال الكسائي : معنى الآية : ليتني كنت ما إذا ذكر لم يطلب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى