محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
﴿فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ( ٢٣ )﴾.
﴿فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي : فألجأها ألم الولادة إلى الاستناد بالجذع لتعتمد عليه وتستتر به. و ( أجاء ) – قال الزمخشري – منقول من ( جاء ) إلى أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. وقرئ ( المخاض ) بكسر الميم وكلاهما مصدر ( مخضت المرأة ) إذا تحرك الولد في بطنها للخروج ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ أي الحمل ﴿وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ أي شيئا تافها، شأنه أن ينسى ولا يعتد به. منسيا لا يخطر على بال أحد. وهو نعت للمبالغة. وإنما قالت ذلك، لما عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود، الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد. فلحقها فرط الحياء وخوف اللائمة إذا بهتوها وهي عارفة ببراءة الساحة، وبضد ما قرفت به، من اختصاص الله إياها بغاية الإجلال والإكرام – قال الزمخشري : لأنه مقام دحض، فلما تثبت عليه الأقدام، أن تعرف اغتباطك بأمر عظيم وفضل باهر، تستحق به المدح وتستوجب التعظيم، ثم تراه عند الناس لجهلهم به – عيبا به ويعنف بسببه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تنبيهات في فوائد القصة :
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران.
الثاني : استدل بقوله تعالى :﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها :﴿يا ليتني مت قبل هذا﴾ على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى :﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾ على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :
ألم تر أن الله قال لمريموهزي إليك الجذع يتساقط الرطب
ولو شاء أحنى الجذع من غيرهزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى :﴿فأشارت إليه﴾ بعد ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى :﴿ما كان أبوك أمرأ سوء﴾ معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش.
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى :﴿والسلام علي﴾ الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال.
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم.
ثم قال في قوله تعالى :﴿وكان أمرا مقضيا﴾ في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله :﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال :﴿لأهب لك غلاما زكيا﴾. واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى.
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر.
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد.
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة.
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ).
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم ﷺ فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة.
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى