الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة﴾[ ٢٢ ]. أي : جاء بها المخاض إلى جذع النخلة. والهمزة دخلت لتعاقب الباء(١).
قال(٢) ابن عباس ومجاهد والسدي : المعنى : ألجأها(٣). و( المخاض )(٤) :( الحمل ).
وقال قتادة :﴿فأجاءها﴾ ( اضطرها )(٥).
وذكر بعض أهل الأخبار(٦) أنها اعتزلت، وذهبت(٧) إلى أدنى(٨) أرض مصر، وآخر(٩) أرض الشام. وذلك أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو أرض مصر.
قال وهب بن منبه(١٠) :( لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى الجبل الذي عند صيهور(١١)، وكان ذلك المسجد يومئذ(١٢) من أعظم مساجدهم. وكان مريم ويوسف يخدمان في(١٣) ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم. فرغبا في ذلك. فكانا يليان معالجة ذلك بأنفسهما وتحبيره(١٤) وكناسته(١٥)، وكل عمل يعمل فيه. وكان لا يعمل من أهل زمانها أحد أشد اجتهادا وعبادة منهما.
فكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف. ولما(١٦) رأى الذي بها، استعظمه، ولم يدر على ما يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط/، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر عليها. فلما اشتد ذلك عليه كلمها. فكان أول كلامه إياها أن قال لها : إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمر، وقد خشيت، وقد حرصت على أن أكتمه وأميته(١٧) في نفسي، فغلبني(١٨) ذلك، فرأيت أن الكلام أشفى فيه لصدري. قالت : فقل قولا جميلا. قال : ما كنت أقول لك إلا ذلك. فحدثيني(١٩) هل ينبت زرع بغير بذر ؟ قالت : نعم. قال : فهل تنبت(٢٠) شجرة من غير غيث ؟ قالت : نعم. قال : فهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم. ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر ؟ أو لم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما وحده ؟ أو تقول : لن تقدر الله على(٢١) أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء ؟ ولولا ذلك لم يقدر على إنباته ؟ قال يوسف : لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله يقدر على ما(٢٢) يشاء يقول لذلك(٢٣) كن فيكون. قالت له : أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر(٢٤) قال : بلى. فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن(٢٥) الذي بها شيء من الله. ثم دنا نفاسها فأوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك، عيروك، وقتلوا ولدك. فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حبلى، وقد بشرت بيحيى. فلما التقتا(٢٦)، وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجدا معترفا(٢٧) بعيسى. فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الأكاف(٢٨) شيء. فلما كان بقرب أرض مصر، في منقطع بلاد قومها(٢٩)، أدرك مريم النفاس، فألجأها إلى حمار أو مذوده(٣٠) وأصل نخلة. فاشتد على مريم المخاض، فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفا محدقين بها.
وعن وهب أنها قالت له عند سؤاله : إن الله تعالى خلق البذر قبل الزرع، وإن الله خلق الحبة من غير مطر، وإن الله خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر.
وعن وهب أيضا أنه قال(٣١) : لما حضر ولادتها، وجدت ما تجده المرأة من الطلق، فخرجت من المدينة حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على(٣٢) ستة أميال يقال لها بيت لحم. فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود مقرة وتحتها نبع من الماء فوضعته عندها(٣٣).
وقد(٣٤) قال السدي لما حضر وضعها إلى جانب المحراب الشرقي منه(٣٥) أتت أقصاه(٣٦).
وقيل(٣٧) : إن عيسى ولد بمصر بكورة أهناس، ونخلة مريم قائمة(٣٨) بها إلى اليوم. والله أعلم بذلك كله.
قال ابن عباس : ليس إلا أن حملت فولدت في ساعة(٣٩).
وعن مجاهد، أنها حملته ستة أشهر، فكانت(٤٠) حياته آية له(٤١) لأنه لا يعيش من ولد من ستة أشهر(٤٢).
وقال غيره(٤٣) أقامت ثمانية أشهر، وذلك آية لعيسى أيضا، لأنه يولد مولود لثمانية أشهر فيعيش(٤٤).
وقوله :﴿فأجاءها المخاض﴾ يدل على طول المكث.
قال مجاهد : كان حمل النخلة عجوة(٤٥).
وقيل(٤٦) : كان جذعا بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فأنبت الله له رأسا، وخلق فيه رطبا ؟ في غير وقته.
وروي أنها لما رأت الآية في الرطب والجذع طابت نفسها.
وقالت : ليس ولادتي هذا الغلام(٤٧) من غير أب أعجب من هذا الجذع البالي. فأكلت من الرطب، وشربت من النهر.
وقوله :﴿يا ليتني مت قبل هذا﴾[ أي : قبل هذأي(٤٨) الطلق، استحياء من الناس قاله(٤٩) السدي(٥٠).
﴿وكنت نسيا منسيا﴾[ ٢٢ ].
أي : لم أخلق ولم أكن شيئا(٥١).
قال السدي : معناه نسى ذكري وأمري، فلا يرى لي أثر ولا عين(٥٢).
وقال قتادة : معناه : وكنت شيئا(٥٣) لا يذكر ولا يعرف ولا يدري(٥٤) من أنا(٥٥).
وقال مجاهد وعكرمة : حيضة ملقاة(٥٦).
والنسي عند أهل اللغة، ما طال مكثه فنسي. ويكون النسي الشيء الحقير الذي لا يعبأ به.
وقرأ محمد بن كعب(٥٧) :( نسئا ) بالهمز وكسر النون(٥٨). وكذا قرأ(٥٩) أيوب(٦٠)، إلا أنه فتح النون وهو من نسأه الله إذا أخره. / وإنما تمنت الموت وقد علمت أن الرضى بقضاء الله واجب عليها لأنها كرهت أن يعصى الله فيها وفيما يقول قومها فيها إذ(٦١) جاءت بولد من غير ذكر، فشق عليها أن يأثموا فيها(٦٢) ويعصوا الله من أجلها فيما يرمونها به لا أنها سخطت قضاء الله فيها، إذ هي تعلم أن(٦٣) الله تعالى لم يختر لها إلا ما فيه الخيرة(٦٤) والصلاح لها. فتمنيها للموت إنما هو طاعة لله لأن(٦٥) من كره أن يعصى الله فيه فقد أطاع الله.
١ انظر: التبيان للعكبري ٢/٨٧٠ وغريب القرآن وتفسيره: ٢٣٨..
٢ (ز): وقال..
٣ انظر: جامع البيان ١٦/٦٤ والدر المنثور ٤/٢٦٧..
٤ (الواو) سقطت من (ز)..
٥ انظر: جامع البيان ١٦/٦٤ والدر المنثور ٤/٢٦٧..
٦ انظر: جامع البيان ١٦/٦٤ والبحر المحيط ٦/١٨١..
٧ (ز): ورهبت، تحريف..
٨ (ع): أداني، والتصحيح من (ز)..
٩ (آخر) سقط من (ز)..
١٠ انظر: جامع البيان ١٦/٦٤-٦٥..
١١ (ز): صهوت، تحريف..
١٢ (من) سقط من (ز)..
١٣ (في) سقطت من (ز)..
١٤ (ز): بدون هاء. والتحبير، التحسين، انظر: اللسان (حبر)..
١٥ (ز): بدون هاء..
١٦ (ز): فلما..
١٧ (ز): استره..
١٨ (ز): فقابني، تحريف..
١٩ (ز): فحدذني..
٢٠ (ز): ينبت..
٢١ (على) سقط من (ز)..
٢٢ (ز): من..
٢٣ (ز): له..
٢٤ (ز): ذكر ولا أنثى..
٢٥ (أن) سقطت من : ز..
٢٦ (ع): التقيا. والتصحيح من (ز)..
٢٧ (ز): متعرفا. تصحيف..
٢٨ الإكاف والأكاف من المراكب شبه الرحال والأقتاب، انظر: اللسان (أكف)..
٢٩ (ز): قومه..
٣٠ (ز): مزوره، تصحيف..
٣١ أنه قال سقط من ز..
٣٢ ز: عن..
٣٣ انظر: جامع البيان ١٦/٦٥..
٣٤ قد سقطت من ز،.
٣٥ ز: منه الشرقي..
٣٦ انظر: جامع البيان ١٦/٦٣..
٣٧ انظر: جامع البيان ١٦/٦٤ وعلق أبو حيان على هذا الخبر فقال: (والظاهر أن النخلة كانت موجودة قبل مجيء مريم إليها) انظر: البحر المحيط ١٦/١٨٢..
٣٨ قائمة سقطت من ز..
٣٩ انظر: جامع البيان ١٦/٦٥ والكشاف ٤/٦ وتفسير ابن كثير ٣/١١٦. وتفسير الثعالبي ٣/٦..
٤٠ ز: وكانت..
٤١ له سقطت من ز..
٤٢ انظر: الكشاف ٤/٥ وتفسير القرطبي ١١/٩٣ والبحر المحيط ٦/١٨١..
٤٣ الأثر لعكرمة في تفسير ابن كثير ٣/١١٦ وتفسير القرطبي ١١/٩٣ والدر المنثور ٤/٢٦٦..
٤٤ قال أبو حيان: (وهذه أقوال مضطربة متناقضة كان ينبغي أن يضرب عنها صفحا إلا أن المفسرين ذكروها في كتبهم وسودوا بها الورق) البحر المحيط ٦/١٨١..
٤٥ انظر: جامع البيان ١٦/٧٢ وتفسير القرطبي ١١/٩٥ وتفسير ابن كثير ٣/١١٧ والدر المنثور ٤/٢٦٨. والعجوة ضرب من التمر. انظر: اللسان (عجا)..
٤٦ انظر: معاني الزجاج ٣/٣٥٢..
٤٧ ز: غلاما..
٤٨ زيادة من ز..
٤٩ ز: قال..
٥٠ انظر: جامع البيان ١٦/٦٦..
٥١ ز: نسيا. وهو تصحيف، وهذا تأويل ابن عباس في الدر المنثور ٤/٢٦٧..
٥٢ انظر: جامع البيان ١٦/٦٦..
٥٣ ز: نسيا..
٥٤ ز: لا يعرف ولا يذكر..
٥٥ انظر: جامع البيان ١٦/٦٦ وتفسير ابن كثير ٣/١١٧..
٥٦ ز: ملغاة وانظر: زاد المسير ٥/٢٢١ والدر المنثور ٤/٢٦٧-٢٦٨..
٥٧ هو محمد بن كعب بن سليم بن عمرو أبو حمزة التابعي (ت ١٠٨ هـ) له ترجمة في المعارف ٤٥٨ وغاية النهاية ٢/٢٣٣..
٥٨ انظر: مختصر ابن خالويه ٨٧ والبحر المحيط ٦/١٨٣..
٥٩ ز: قراءة..
٦٠ هو أيوب بن تميم بن سليمان بن أيوب، أبو سليمان التميمي الدمشقي ضابط مشهور (ت ١٩٨ هـ) له ترجمة في غاية النهاية ١/١٧٢..
٦١ ز: إذا..
٦٢ فيها سقط من ز..
٦٣ أن سقط من ز..
٦٤ ز: الخير..
٦٥ النون في لأن زيادة من ز..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى