مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إذ نادى ربه نداء خفيا﴾ راعى سنة الله في إخفاء دعوته لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان الإخفاء أولى لأنه أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص. وثانيها : أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في زمان الشيخوخة. وثالثها : أسره من مواليه الذين خافهم. ورابعها : خفي صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ صوته خفات وسمعه تارات، فإن قيل من شرط النداء الجهر فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيا، والجواب من وجهين : الأول : أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلا أن الصوت كان ضعيفا لنهاية الضعف بسبب الكبر فكان نداء نظرا إلى قصده وخفيا نظرا إلى الواقع. الثاني : أنه دعا في الصلاة لأن الله تعالى أجابه في الصلاة لقوله تعالى :﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلى في المحراب أن الله يبشرك بيحيى﴾ فكون الإجابة في الصلاة يدل على كون الدعاء في الصلاة فوجب أن يكون النداء فيها خفيا.