اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين﴾ الآية.
" مِنْ " الأولى ؛ للبيان ؛ لأنَّ كلَّ الأنبياء منَعَّمٌ عليهم، فالتبعيضُ محالٌ ؛ والثانيةُ للتبعيض ؛ فمجرورها بدلٌ مما قبله بإعادة العاملِ، بدلُ بعضٍ من كلٍّ.
وقوله :﴿وإسرائيلَ﴾ عطفٌ على [ " إبْراهيمَ ".
قوله :﴿وممَّنْ هديْنَا﴾ يحتملُ أن يكون عطفاً على ﴿مِنَ النبييِّينَ﴾ وأنْ يكون عطفاً على ](١) " مِنْ ذرَّية آدمَ ".
اعلم أنَّه تعالى أثنى على كل واحدٍ ممَّن تقدم ذكرهُ [ من الأنبياء ](٢)، بما يخُصُّه من الثناء، ثمَّ جمعهم آخراً ؛ فقال تعالى :﴿أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم﴾ أي : بالنبوَّةِ، وغيرها، و " أولئِكَ " إشارةٌ إلى المذكورين في هذه السورة من " زكريَّا " إلى " إدريس " -صلوات الله عليهم- ثمَّ جمعهُم في كونهم من ذرية آدم.
ثُمَّ خصَّ بعضهم بأنهم من ذريَّةِ آدمَ، ممَّن حمله مع نُوحِ، ومنهم من هو من ذرية آدم، دثون من حمله مع نوحٍ ؛ وهو إدريسُ -عليه السلام- فقد كان سابقاً على نُوحٍ.
والذين هم من ذُريَّة من حمل مع نوحٍ، وهو " إبراهيمُ " ؛ لأنَّه [ ولدُ ](٣) سام بن نُوح، وإسماعيلُ، وإسحاقُ، ويعقوبُ من ذريةِ إبراهيم.
ثم خصَّ بعضهم أنه من ولد إسرائيل، أي : يعقوب، وهم : مُوسَى، وهارونُ، وزكريَّا، ويحيى، وعيسى ؛ من قبل الأمِّ.
فرتَّب الله تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب ؛ منبهاً بذلك على أنَّهم كما فُضِّلُوا بأعمالهم، فلهم منزلةٌ في الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء.
ثُمَّ بيَّن أنَّهم ممَّن هدينا، واجتبينا ؛ منبِّهاً بذلك على أنَّهُم خُصُّوا بهذه المنازِلِ ؛ لهداية الله تعالى لهمُ، ولأنَّهم اختارهم للرسالةِ.
قوله :﴿إذا تُتْلى﴾ جملةٌ شرطيةٌ فيها قولان :
أظهرهما : أنها لا محلَّ لها ؛ لاستئنافها.
والثاني : أنها خبرُ " أولئكَ " والموصولُ قبلها صفةٌ لاسم الإشارة، وعلى الأول ؛ يكونُ الموصول نفس الخبر.
وقرأ العامَّةُ " تُتْلَى " بتاءين من فوق، وقرأ عبدُ الله، وشيبةُ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثير، وابن عامرٍ، وورشٌ عن نافعٍ في رواياتٍ شاذةٍ(٤) : بالياء أوَّلاً من تحت، والتأنيثُ مجازيٌّ ؛ فلذلك جاز في الفعل الوجهان.
قوله تعالى :﴿سُجَّداً﴾ حالٌ مقدرةٌ ؛ قال الزجاج(٥) :" لأنهم وقت الخُرُورِ ليسُوا سُجَّداً ".
و " بُكِيًّا " فيها وجهان :
أظهرهما : أنه جمعُ باكٍ، وليس بقياس، بل قياسُ جمعه على فعلة ؛ كقاضٍ وقُضاة، ولم يسمع فيه هذا الأصلُ، وقد تقدَّم أنَّ الأخوين يكسران فاءهُ على الإتباع.
والثاني : أنه مصدرٌ على فعولٍ ؛ نحو : جلس جُلُوساً، وقَعَد قُعُوداً ؛ والأصلُ فيه على كلا القولين " بكُويٌ " بواو وياء، فأعلَّ الإعلال المشهور في مثله، وقال ابن عطيَّة :" وبكيًّا بكسر الباء، وهون مصدرٌ لا يحتمل غير ذلك " قال أبو حيَّان :" وليس بسديدٍ، بل الإتباعُ جائزٌ فيه " وهو جمعٌ ؛ كقولهم : عُصِيٌّ ودُلِيٌّ، جمع عصا ودلو، وعلى هذا ؛ فيكون " بكيًّا " : إمَّا مصدراً مؤكِّداً لفعل محذوفٍ، أي : وبكَوا بُكِيًّا، أي : بكاء، وإمَّا مصدراً واقعاً موقع الحال، أي باكينَ، أو ذوي بكاء، أو جعلُوا نفس البكاءِ مبالغةً.
قال الزجاج :" بُكِيًّا " جمع باكٍ ؛ مثل شاهدٍ وشُهود، وقاعدٍ وقُعُودٍ، ثمَّ قال : الإنسانُ في حال خُرُوره لا يكن ساجداً، والمرادُ : خرُّوا مقدِّمين للسُّجُودِ، ومن قال في " بُكِيًّا " : إنَّه مصدرٌ، فقد أخطأ ؛ لأنَّ سُجَّداً جمع ساجدٍ، وبكياً معطوف عليه.
قال المفسِّرون : إنَّ الأنبياء -عليهم السلام- كانُوا إذا سمعُوا آيات الله ؛ والمرادُ : الآياتُ التي تتضمنُ الوعد والوعيد، والتَّرغيبَ والتَّرهيب خروا سُجداً جمع ساجدٍ، وبكيًّا : جمع باكٍ خشُوعاً وخُضُوعاً، وحذراً وخوفاً.
قال بعضهم : المراد بالسُّجود : الصَّلاة.
وقال بعضهم : المراد : سجودُ التِّلاوة.
وقل : المرادُ بالسُّجود : الخضوعُ والخشُوع عند التِّلاوة.
قال -صلوات الله وسلامه عليه- :" اتلُوا القُرآنَ، وابْكُوا، فإنْ لَمْ تَبْكُوا، فَتَبَاكَوْا " (٦).
" مِنْ " الأولى ؛ للبيان ؛ لأنَّ كلَّ الأنبياء منَعَّمٌ عليهم، فالتبعيضُ محالٌ ؛ والثانيةُ للتبعيض ؛ فمجرورها بدلٌ مما قبله بإعادة العاملِ، بدلُ بعضٍ من كلٍّ.
وقوله :﴿وإسرائيلَ﴾ عطفٌ على [ " إبْراهيمَ ".
قوله :﴿وممَّنْ هديْنَا﴾ يحتملُ أن يكون عطفاً على ﴿مِنَ النبييِّينَ﴾ وأنْ يكون عطفاً على ](١) " مِنْ ذرَّية آدمَ ".
فصل
اعلم أنَّه تعالى أثنى على كل واحدٍ ممَّن تقدم ذكرهُ [ من الأنبياء ](٢)، بما يخُصُّه من الثناء، ثمَّ جمعهم آخراً ؛ فقال تعالى :﴿أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم﴾ أي : بالنبوَّةِ، وغيرها، و " أولئِكَ " إشارةٌ إلى المذكورين في هذه السورة من " زكريَّا " إلى " إدريس " -صلوات الله عليهم- ثمَّ جمعهُم في كونهم من ذرية آدم.
ثُمَّ خصَّ بعضهم بأنهم من ذريَّةِ آدمَ، ممَّن حمله مع نُوحِ، ومنهم من هو من ذرية آدم، دثون من حمله مع نوحٍ ؛ وهو إدريسُ -عليه السلام- فقد كان سابقاً على نُوحٍ.
والذين هم من ذُريَّة من حمل مع نوحٍ، وهو " إبراهيمُ " ؛ لأنَّه [ ولدُ ](٣) سام بن نُوح، وإسماعيلُ، وإسحاقُ، ويعقوبُ من ذريةِ إبراهيم.
ثم خصَّ بعضهم أنه من ولد إسرائيل، أي : يعقوب، وهم : مُوسَى، وهارونُ، وزكريَّا، ويحيى، وعيسى ؛ من قبل الأمِّ.
فرتَّب الله تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب ؛ منبهاً بذلك على أنَّهم كما فُضِّلُوا بأعمالهم، فلهم منزلةٌ في الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء.
ثُمَّ بيَّن أنَّهم ممَّن هدينا، واجتبينا ؛ منبِّهاً بذلك على أنَّهُم خُصُّوا بهذه المنازِلِ ؛ لهداية الله تعالى لهمُ، ولأنَّهم اختارهم للرسالةِ.
قوله :﴿إذا تُتْلى﴾ جملةٌ شرطيةٌ فيها قولان :
أظهرهما : أنها لا محلَّ لها ؛ لاستئنافها.
والثاني : أنها خبرُ " أولئكَ " والموصولُ قبلها صفةٌ لاسم الإشارة، وعلى الأول ؛ يكونُ الموصول نفس الخبر.
وقرأ العامَّةُ " تُتْلَى " بتاءين من فوق، وقرأ عبدُ الله، وشيبةُ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثير، وابن عامرٍ، وورشٌ عن نافعٍ في رواياتٍ شاذةٍ(٤) : بالياء أوَّلاً من تحت، والتأنيثُ مجازيٌّ ؛ فلذلك جاز في الفعل الوجهان.
قوله تعالى :﴿سُجَّداً﴾ حالٌ مقدرةٌ ؛ قال الزجاج(٥) :" لأنهم وقت الخُرُورِ ليسُوا سُجَّداً ".
و " بُكِيًّا " فيها وجهان :
أظهرهما : أنه جمعُ باكٍ، وليس بقياس، بل قياسُ جمعه على فعلة ؛ كقاضٍ وقُضاة، ولم يسمع فيه هذا الأصلُ، وقد تقدَّم أنَّ الأخوين يكسران فاءهُ على الإتباع.
والثاني : أنه مصدرٌ على فعولٍ ؛ نحو : جلس جُلُوساً، وقَعَد قُعُوداً ؛ والأصلُ فيه على كلا القولين " بكُويٌ " بواو وياء، فأعلَّ الإعلال المشهور في مثله، وقال ابن عطيَّة :" وبكيًّا بكسر الباء، وهون مصدرٌ لا يحتمل غير ذلك " قال أبو حيَّان :" وليس بسديدٍ، بل الإتباعُ جائزٌ فيه " وهو جمعٌ ؛ كقولهم : عُصِيٌّ ودُلِيٌّ، جمع عصا ودلو، وعلى هذا ؛ فيكون " بكيًّا " : إمَّا مصدراً مؤكِّداً لفعل محذوفٍ، أي : وبكَوا بُكِيًّا، أي : بكاء، وإمَّا مصدراً واقعاً موقع الحال، أي باكينَ، أو ذوي بكاء، أو جعلُوا نفس البكاءِ مبالغةً.
قال الزجاج :" بُكِيًّا " جمع باكٍ ؛ مثل شاهدٍ وشُهود، وقاعدٍ وقُعُودٍ، ثمَّ قال : الإنسانُ في حال خُرُوره لا يكن ساجداً، والمرادُ : خرُّوا مقدِّمين للسُّجُودِ، ومن قال في " بُكِيًّا " : إنَّه مصدرٌ، فقد أخطأ ؛ لأنَّ سُجَّداً جمع ساجدٍ، وبكياً معطوف عليه.
فصل
قال المفسِّرون : إنَّ الأنبياء -عليهم السلام- كانُوا إذا سمعُوا آيات الله ؛ والمرادُ : الآياتُ التي تتضمنُ الوعد والوعيد، والتَّرغيبَ والتَّرهيب خروا سُجداً جمع ساجدٍ، وبكيًّا : جمع باكٍ خشُوعاً وخُضُوعاً، وحذراً وخوفاً.
قال بعضهم : المراد بالسُّجود : الصَّلاة.
وقال بعضهم : المراد : سجودُ التِّلاوة.
وقل : المرادُ بالسُّجود : الخضوعُ والخشُوع عند التِّلاوة.
قال -صلوات الله وسلامه عليه- :" اتلُوا القُرآنَ، وابْكُوا، فإنْ لَمْ تَبْكُوا، فَتَبَاكَوْا " (٦).
١ سقط من ب..
٢ سقط من: أ..
٣ في ب: من ذرية..
٤ ينظر: الكشاف ٢/٢٥، البحر ٦/١٨٩، الدر المصون ٤/٥١١..
٥ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٣/٣٣٥..
٦ أخرجه ابن ماجه (١/٤٢٤) كتاب الصلاة باب في حسن الصوت بالقرآن حديث (١٣٣٧) قال البوصيري: في إسناده أبو رافع اسمه إسماعيل بن رافع ضعيف متروك..
٢ سقط من: أ..
٣ في ب: من ذرية..
٤ ينظر: الكشاف ٢/٢٥، البحر ٦/١٨٩، الدر المصون ٤/٥١١..
٥ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٣/٣٣٥..
٦ أخرجه ابن ماجه (١/٤٢٤) كتاب الصلاة باب في حسن الصوت بالقرآن حديث (١٣٣٧) قال البوصيري: في إسناده أبو رافع اسمه إسماعيل بن رافع ضعيف متروك..