البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿جنات﴾ رفعاً جمعاً أي تلك جنات وقال الزمخشري الرفع على الابتداء انتهى يعني والخبر ﴿التي﴾.
وقرأ الحسن بن حي وعليّ بن صالح جنة عدن نصباً مفرداً ورويت عن الأعمش وهي كذلك في مصحف عبد الله.
وقرأ اليماني والحسن وإسحاق الأزرق عن حمزة جنة رفعاً مفرداً و ﴿عدن﴾ إن كان علماً شخصياً كان التي نعتاً لما أضيف إلى ﴿عدن﴾ وإن كان المعنى إقامة كان ﴿التي﴾ بدلاً.
وقال الزمخشري :﴿عدن﴾ معرفة علم لمعنى العدن وهو الإقامة، كما جعلوا فينة وسحر وأمس في من لم يصرفه أعلاماً لمعاني الفينة والسحر والأمس، فجرى العدن كذلك.
أو هو علم الأرض الجنة لكونه مكان إقامة، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلاّ موصوفة، ولما ساغ وصفها بالتي انتهى.
وما ذكره متعقب.
أما دعواه أن عدناً علم لمعنى العدن فيحتاج إلى توقيف وسماع من العرب، وكذا دعوى العلمية الشخصية فيه.
وأما قوله ولولا ذلك إلى قوله موصوفة فليس مذهب البصريين لأن مذهبهم جواز إبدال النكرة من المعرفة وإن لم تكن موصوفة، وإنما ذلك شيء قاله البغداديون وهم محجوجون بالسماع على ما بيناه في كتبنا في النحو، فملازمته فاسدة.
وأما قوله : ولما ساغ وصفها بالتي فلا يتعين كون التي صفة، وقد ذكرنا أنه يجوز إعرابه بدلاً و ﴿بالغيب﴾ حال أي وعدها وهي غائبة عنهم أو وهم غائبون عنها لا يشاهدونها، ويحتمل أن تكون الباء للسبب أي بتصديق الغيب والإيمان به.
وقال أبو مسلم : المراد الذين يكونون عباداً بالغيب أي الذين يعبدونه في السر، والظاهر أن ﴿وعده﴾ مصدر.
فقيل :﴿مأتياً﴾ بمعنى آتياً.
وقيل : هو على موضوعه من أنه اسم المفعول.
وقال الزمخشري :﴿مأتياً﴾ مفعول بمعنى فاعل، والوجه أن الوعد هو الجنة وهم يأتونها، أو هو من قولك أتى إليه إحساناً أي كان وعده مفعولاً منجزاً، والقول الثاني وهو قوله : والوجه مأخوذ من قول ابن جريج قال :﴿وعده﴾ هنا موعوده وهو الجنة، و ﴿مأتياً﴾ يأتيه أولياؤه انتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى