جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿نّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾.
يقول تعالى ذكره : نحن يا محمد أعلم بما يقول هؤلاء المشركون بالله من فِريتهم على الله، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم قُدرة الله على البعث بعد الموت وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ يقول : وما أنت عليهم بمسلط. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ قال : لا تتجبر عليهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فإن الله عزّ وجلّ كره الجبرية، ونهى عنها، وقدّم فيها. وقال الفرّاء : وضع الجبار في موضع السلطان من الجبرية وقال : أنشدني المفضل :
| وَيَوْمَ الحَزْنِ إذْ حَشَدَتْ مَعَدّ | وكانَ النّاسُ إلا نَحْنُ دِينا |
| عَصَيْنا عَزْمَةَ الجَبّارِ حَتّى | صَبَحْنا الجَوْفَ ألْفا مُعْلَمِينا |
قال : وقيل : إن معنى قوله : وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ لم تُبعث لتجْبُرَهم على الإسلام، إنما بعثت مذكّرا، فذكّر. وقال : العرب لا تقول فعال من أفعلت، لا يقولون : هذا خراج، يريدون : مُخْرِج، ولا يقولون : دخَال، يريدون : مُدْخِل، إنما يقولون : فعال، من فعلت ويقولون : خراج، من خرجت ودخال : من دخلت وقتّال، من قتلت. قال : وقد قالت العرب في حرف واحد : درّاك، من أدركت، وهو شاذّ.
قال : فإن قلت الجبار على هذا المعنى، فهو وجه. قال : وقد سمعت بعض العرب يقول : جبره على الأمر، يريد : أجبره، فالجبار من هذه اللغة صحيح، يراد به : يقهرهم ويجبرهم.
وقوله : فَذَكّرْ بالقُرآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ يقول تعالى ذكره : فذكر يا محمد بهذا القرآن الذي أنزلته إليه من يخاف الوعيد الذي أوعدته من عصاني وخالف أمري.
حدثني نصر بن عبد الرحمن الأوديّ، قال : حدثنا حكام الرازي، عن أيوب، عن عمرو الملائي، عن ابن عباس، قال : قالوا يا رسول الله لو خوّفتنا ؟ فنزلت فَذَكّرْ بالقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ.
حدثنا ابن حُميد، قال : حدثنا حكام، عن أيوب بن سيار أبي عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، قال : قالوا : يا رسول الله، لو ذكّرتنا، فذكر مثله.