تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي : نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يهيدنك ذلك، كقوله [ تعالى ] (١) :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩].
وقوله :﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي : ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، وليس ذلك ما كلفت به.
وقال مجاهد، وقتادة، والضحاك :﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي : لا تتجبر عليهم.
والقول الأول أولى، ولو أراد ما قالوه لقال : ولا تكن جبارًا عليهم، وإنما قال :﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ بمعنى : وما أنت بمجبرهم على الإيمان إنما أنت مبلغ.
قال الفراء : سمعت العرب تقول : جبر فلان فلانا على كذا(٢)، بمعنى أجبره (٣).
ثم قال تعالى :﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي : بلغ أنت رسالة ربك، فإنما (٤) يتذكر من يخاف الله ووعيده ويرجو وعده، كقوله [ تعالى ] (٥) :﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، وقوله :﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢]، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، ولهذا قال هاهنا :﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ كان قتادة يقول : اللهم، اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعودك، يا بار، يا رحيم.
آخر تفسير سورة( ق )، والحمد لله وحده، وحسبنا الله ونعم الوكيل
١ - (١) زيادة من م..
٢ - (٢) في م: "جبر فلان على فلان كذا"..
٣ - (٣) انظر تفسير الطبري (٢٦/١١٥)..
٤ - (٤) في م: "فأما"..
٥ - (٥) زيادة من م..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى