تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لإيلاف قريش﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله :﴿لإيلاف قريش﴾ قال : نعمتي على قريش بإيلافهم رحلة الشتاء والصيف. والإيلاف في اللغة هو ضد الإيجاش، وهو نظير الإيناس، فإن قال قائل : ما معنى ابتداء السورة باللام ؟ والجواب من وجهين : أحدهما أن معناه : اعجبوا لإيلاف قريش وتركهم الإيمان بي، كأنه يذكر نعمته عليهم، ويذكر كفرانهم لنعمته بترك الإيمان. والوجه الثاني أن معناه : أن هذا متصل في المعنى بالسورة المتقدمة، وكأنه قال :( فجعلهم كعصف(١) مأكول لإيلاف قريش ) أي : ليبقى لهم ما ألفوه من رحلتي الشتاء والصيف. وذكر القتيبي في معنى السورة : أن القوم لم يكن لهم زرع ولا ضرع إلا القليل، وكانت معايشهم من التجارة، وكانت لهم رحلتان : رحلة في الصيف إلى الشام، ورحلة في الشتاء إلى اليمن، وقيل غير هذا، وكانوا إذا خرجوا من مكة لا يتعرض لهم أحد، فإذا لقيهم قوم قالوا : نحن أهل الله، فيكفون عنهم ولا يحاجون. وروي أنهم كانوا يقولون : نحن من حرم الله، فتقول العرب : هؤلاء أهل الله، فيكفون عنهم، وهو معنى قوله تعالى :﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم﴾(٢) فذكر الله تعالى في هذه السورة والسورة المتقدمة منته عليهم في دفع أصحاب الفيل عنهم، ليبقى لهم ما ألفوه من التجارة في رحلتي الشتاء والصيف. وأما قريش : فهم أولاد النضر بن كنانة، فكل من كان من أولاد النضر بن كنانة فهو قرشي، واختلفوا في اشتقاق هذا الاسم، فقال الأكثرون : سموا قريشا للتجارة، وكانوا أهل تجارة، والقرش : الكسب، يقال : كان فلان يقرش لعياله ويقترش، أي : يكتسب. وعن ابن عباس : أنه سميت قريش قريشا بدابة تكون في البحر، يقال لها : القرش، لا تمر بغث ولا سمين إلا أكلته، وأنشدوا في ذلك :
( وقريش هي التي تسكن البحر وبها سميت قريش قريشا )
( تأكل الغث والسمين ولا تترك فيه لذي الجناحين ريشا )
( هكذا في البلاد هي قريشيأكلون البلاد أكلا كميشا )
( ولهم آخر الزمان نبييكثر القتل فيهم والخموشا )
١ - الفيل : ٥..
٢ - العنكبوث : ٦٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى