اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾، في متعلق هذه الآية أوجه :
أحدها : أنه ما في السورة قبلها من قوله تعالى :﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ﴾.
قال الزمخشري :(١) «هذا بمنزلة التضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلا به، وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة بلا فصل.
وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب، وقرأ في الأولى :«والتِّينِ »، انتهى.
وإلى هذا ذهب الأخفش، إلا أن الحوفي قال : ورد هذا القول جماعة، بأنه لو كان كذا، لكان «لإيْلافِ » بعض سورة «ألَمْ تَرَ »، وفي إجماع الجميع على الفصل بينهما ما يدل على عدم ذلك.
الثاني : أنه مضمر تقديره : فعلنا ذلك، أي : إهلاك أصحاب الفيل ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾، أي : لتأليف قريش، أو لتنفق قريش، أو لكي تأمن قريش، فتؤلف رحلتيها.
وقيل : تقديره : اعجبوا.
الثالث : أنه قوله تعالى :﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ لإيلافهم ؛ فإنها أظهر نعمة عليهم.
قاله الزمخشري ؛ وهو قول الخليل من قبله.
وقرأ ابن عامر(٢) :«لإلاف » دون ياء قبل اللام الثانية.
والباقون :«لإيلاف » بياء قبلها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني، وهو «إيلافهم ». ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين : أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطًّا، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها فيه خطًّا، وهذا دليل على أن القراء يتبعون الأثر والرواية، لا مجرد الخط.
فأما قراءة ابن عامر ففيها وجهان :
أحدهما : أنه مصدر ل «ألف » ثلاثياً، يقال : ألف الرجل، إلفاً، وإلافاً ؛ نحو : كتبته كتاباً، ويقال : ألفته إلفاً وإلافاً.
وقد جمع الشاعر بينهما في قوله :[ الوافر ]
٥٣١٣- زَعمْتُمْ أنَّ إخْوتَكُمْ قُريْشٌلَهُمْ إلفٌ وليْسَ لَكُمْ إلافُ(٣)
والثاني : أنه مصدر ل «آلف » رباعياً نحو قاتل قتالاً. وقال الزمخشري : لمُؤالفةِ قريش. وأما قراءة الباقين فمصدر آلف رباعياً بزنة «أكرم »، يقال : آلفته، أولفه إيلافاً.
قال الشاعر :[ الطويل ]
٥٣١٤- مِنَ المُؤلفَاتِ الرَّمْلَ أدمَاءُ حُرَّةٌشُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِهَا يتوضَّحُ(٤)
وقرأ عاصم(٥) في رواية :«إئلافهم » بهمزتين، الأولى مكسورة، والثانية ساكنة، وهي شاذة ؛ لأنه يجب في مثله إبدال حرف مجانس ك «إيمان ».
وروي عنه أيضاً بهمزتين مكسورتين، بعدهما ياء ساكنة.
وخرجت على أنه أشبع كسر همزة الثانية فتولد منها ياء، وهذه أشدُّ من الأولى.
ونقل أبو البقاء أشد منها، فقال(٦) :«بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة، بعدها همزة مكسورة ». وهو بعيد، ووجهه : أنه أشبع الكسرة، فنشأت الياء، وقصد بذلك الفصل بين الهمزتين كالألف في «أأنْذَرتَهُمْ ».
وقرأ أبو جعفر :«لإلف قريش » بهمزة مكسورة، بزنة :«قِرْد »، وقد تقدم أنه مصدر ل «ألف » كقوله :[ الوافر ]
٥٣١٥-. . .لَهُمْ إلْفٌ وليْسَ لَكُمْ إلافُ(٧)
وعنه أيضاً، وعن ابن كثير :«إلفهم »، وهي ساكنة اللام بغير ياء، وهي قراءة مجاهد وحميد.
وروت أسماء - رضي الله عنها - أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ :«إلفهم »، وهو مروي أيضاً عن ابن عبَّاس وغيره.
وعنه أيضاً وعن ابن عامر :«إلافهم » مثل «كتابهم ».
وعنه أيضاً :«ليْلافهم » بياء ساكنة بعد اللام، وذلك أنه لما أبدل الثانية حذف الأولى على غير قياس.
وقرأ عكرمة(٨) :«ليألف قريش » فعلاً مضارعاً.
وعنه أيضاً(٩) :«لتألف قريش » على الأمر واللام مكسورة، وعنه فتحها مع الأمر وهي لغة.

فصل في اتصال السورة بما قبلها


تقدم أن هذه السورة متصلة بما قبلها في المعنى، أي : أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش، أي : لتأليف قريش، أو لتنفق قريش، أو لتأمن قريش فتؤلف رحلتيها.
قال ابن الخطيب(١٠) : فإن قيل : إنما كان الإهلاك لكفرهم.
قلنا : جزاء الكفور يكون يوم القيامة، يجزي كل نفس بما كسبت للأمرين معاً، ولكن لا تكون اللام لام العاقبة، أو يكون المعنى :«ألم تَرَ كيف فعل ربُّك بأصحاب الفيل ؛ لإيلاف قريش »، أي : كل ما تضمنته السورة «لإيلافهم »، أو تكون اللاَّم بمعنى «إلى »، أي : وجعلنا هذه النعم مضافاً إلى قريش.
وقال الكسائي والأخفش : اللام في ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ لام التعجب. أي اعجبوا لإيلاف قريش، نقله القرطبي(١١).
قال الفراء : هذه السورة متصلة بالسورة الأولى ؛ لأنه ذكر أهل «مكة » عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة، ثم قال - جل وعلا - :﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾. فعلنا بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشاً كانت تخرج في تجارتها، فلا يغار عليها في الجاهلية، يقولون : هم أهل بيت الله تعالى حتَّى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة فأهلكه الله تعالى، فذكرهم نعمته، أي : فجعل الله تعالى ذلك ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ أي : ليألفوا الخروج ولا يتجرأ عليهم، قاله مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير.
قال ابن عباس، في قوله تعالى :﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ قال : نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، قال : كانوا يشتون ب «مكة »، ويصيفون ب «الطائف »(١٢)، وعلى هذا القول يجوز الوقف على رءوس الآي، وإن لم يكن الكلام تاماً.
قال ابن الخطيب(١٣) : والمشهور أنهما سورتان، ولا يلزم من التعلق الاتحاد ؛ لأن القرآن كسورة واحدة.
وقال الخليل : ليست متصلة، كأنه قال : ألف الله قريشاً إيلافاً، فليعبدوا ربَّ هذا البيت [ واللام متعلقة بقوله تعالى : فليعبد هؤلاء رب هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتياز، ويحمل ما بعد الألف ألفاً على ما قبلها ؛ لأنها زائدة غير عاطفة، كقولك : زيد فاضرب، وأما مصحف أبيّ فمعارض بإطباق على الفصل بينهما، وأما قراءة عمر - رضي الله عنه - فالإمام قد يقرأ سورتين ].
قال ابن العربي : وليست المواقف التي ينتزع بها القراء شرعاً عن النبي ﷺ مروياً، وإنما أرادوا به تعليم الطلبة المعاني، فإذا علموها وقفوا [ حيث شاءوا، فأما الوقف عند انقطاع النفس فلا خلاف فيه، ولا تعد ما قبله إذا اعتراك ذلك، ولكن ابدأ من حيث وقف بك نفسك، هذا رأيي فيه ](١٤)، ولا دليل على ما قالوه بحالٍ، ولكني أعتمد الوقف على التَّمام، كراهية الخروج عنهم.
قال القرطبي(١٥) :«وأجمع المسلمون أن الوقف عند قوله :«كَعصفٍ مأكُولٍ »، ليس بقبيح، وكيف يقال بقبحه، وهذه السورة تقرأ في الركعة الأولى، والتي بعدها في الركعة الثانية، ولا يمنع الوقف على إعجاز الآيات، سواء تمَّ الكلام أم لا ».

فصل في الكلام على قريش


قريش : اسم القبيلة.
قريش : هم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، وهو الصحيح، وقيل : هم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، فمن لم يلده فهر فليس بقرشي، فوقع الوفاق على أن بني فهر قرشيون، وعلى أن كنانة ليسوا بقرشيين، ووقع الخلاف في النضر ومالك، ثم اختلف في اشتقاقه على أوجه :
أحدها : أنه من التقرُّش، وهو التجمُّع، سموا بذلك لاجتماعهم بعد تفرق، قال :[ الطويل ]
٥٣١٦- أبُونَا قُصَيٌّ كَانَ يُدعَى مُجمِّعاًبِهِ جَمَّعَ اللهُ القَبائلَ مِنْ فِهْرِ(١٦)
والثاني : أنه من القرش : وهو الكسب، كانت قريش تجاراً، يقال : قرش يقرش : أي : اكتسب.
والثالث : أنه من التفتيش، يقال : قَرَشَ يقرش، عني أي : فتش، وكانت قريش يفتشون على ذوي الخلاَّت، فيسدون خلَّتهم.
قال الشاعر :[ الخفيف ]
٥٣١٧- أيُّهَا الشَّامِتُ المُقرِّشُ عَنَّاعِنْدَ عَمْرٍو فَهلْ لهُ إبْقَاءُ(١٧)
والرابع : أن معاوية سأل ابن عباس لم سميت قريش قُريشاً ؟
فقال : لدابة في البحر يقال لها : القرش، من أقوى دوابه، تأكل ولا تؤكل، وتعلُو ولا تُعْلَى(١٨).
وأنشد قول تبع :[ الخفيف ]
٥٣١٨- وقُريشٌ هِيَ الَّتي تَسكنُ البَحْرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُريشٌ قُرَيْشَا
تَأكُلُ الرثَّ والسَّمينَ ولا تَتْرُكُ فِيهَا لِذِي جَناحَيْنِ رِيشَا
هَكَذا في البِلادِ حَيُّ قُريْشٍيَأكُلونَ البِلادَ أكْلاً كَمِيشَا
ولهُمْ آخِرَ الزَّمانِ نبيٌّيُكْثرُ القَتْلَ فِيهمُ والخُمُوشَا(١٩)
ثم قريش : إما أن يكون مصغراً تصغير ترخيم، فقيل : الأصل مقرش، وقيل : قارش، وإما أن يكون مصغراً من ثلاثي، نحو : القرش، وأجمعوا على صرفه هنا مراداً به الحي، ولو أريد به القبيلة لامتنع من الصَّرف ؛ كقوله :[ الكامل ]
٥٣١٩- غَلَبَ المَسامِيحَ الولِيدُ سَماحَةًوكَفَى قُريْشَ المُعضِلاتِ وسَادَهَا(٢٠)
قال سيبويه في معدّ، وقريش، وثقيف، وكينونة، هذه للأحياء أكثر، وإن جعلتها أسماء للقبائل، فهو جائز حسن.
١ الكشاف (٤/٨٠١)..
٢ ينظر: السبعة ٦٩٨، والحجة ٦/٤٤٤، وإعراب القراءات ٢/٥٣٣، والمحرر الوجيز ٥/٥٢٥..
٣ البيت لمساور بن هند، ينظر ديوان الحماسة للتبريزي ٢/١٨٦، والكشاف ٤/٨٠١، ومجمع البيان ١٠/٨٢٨، واللسان (ألف)، والقرطبي ٢٠/١٣٨، والبحر ٨/٥١٥، والدر المصون ٦/٥٧١..
٤ البيت لذي الرمة ينظر ديوانه (١١١)، ومجمع البيان ١٠/٨٢٨، واللسان (ألف)، والبحر ٨/٥١٤، والدر المصون ٦/٥٧٦..
٥ ينظر: هذه القراءات في المصدر السابقة..
٦ ينظر: الإملاء ٢/٢٩٥..
٧ تقدم..
٨ ينظر: الكشاف ٤/٨٠٢، والبحر المحيط ٨/٥١٥، والدر المصون ٦/٥٧٢..
٩ ينظر: البحر المحيط ٨/١٣٨..
١٠ الفخر الرازي ٣٢/٩٧..
١١ الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١٣٨..
١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٧٠١)، عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٧٨)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في "المختارة"..
١٣ ينظر الفخر الرازي ٣٢/٩٨..
١٤ سقط من : أ..
١٥ الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١٤١..
١٦ البيت لمطرود الخزاعي ينظر اللسان (جمع)، والقرطبي ٢٠/١٣٨، والدر المصون ٦/٥٧٦..
١٧ البيت للحارث بن حلزة، ينظر القرطبي ٢٠/١٣٩، والبحر المحيط ٨/٥١٣، والدر المصون ٦/٥٧٢..
١٨ ينظر تفسير القرطبي (٢٠/١٣٩)..
١٩ ينظر الخزانة ١/٩٨٠، والقرطبي ٢٠/٣٩، والبحر ٨/٢٥١٣، والدر المصون ٦/٥٧٢..
٢٠ البيت لعدي بن الرقاع ينظر الكتاب ٢/١٦، والمقتضب ٣/٣٦٢، واللسان (قرش)، والإنصاف ٢/٥٠٦، والبحر ٨/٥١٥، والدر المصون ٦/٥٧٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى