تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
افتتاح مُبدع إذ كان بمجرور بلام التعليل وليس بإثْره بالقرب ما يصلح للتعليق به ففيه تشويق إلى متعلق هذا المجرور. وزاده الطول تشويقاً إذ فصل بينه وبين متعلَّقه ( بالفتح ) بخمس كلمات، فيتعلق ﴿لإيلاف﴾ بقوله :﴿فليعبدوا﴾.
وتقديم هذا المجرور للاهتمام به إذ هو من أسباب أمرهم بعبادة الله التي أعرضوا عنها بعبادة الأصنام والمجرور متعلق بفعل « ليعبدوا ».
وأصل نظم الكلام : لتَعْبُدْ قريشٌ ربَّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فلما اقتضى قصدُ الاهتمام بالمعمول تقديمه على عامله، تولَّدَ من تقديمه معنى جعله شرطاً لعامله فاقترن عامله بالفاء التي هي من شأن جواب الشرط، فالفاء الداخلة في قوله :﴿فليعبدوا﴾ مؤذنة بأن ما قبلها في قوة الشرط، أي مؤذنة بأن تقديم المعمول مقصود به اهتمام خاص وعناية قوية هي عناية المشترط بشرطه، وتعليق بقية كلامه عليه لما ينتظره من جوابه، وهذا أسلوب من الإِيجاز بديع.
قال في « الكشاف » : دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى إمَّا لاَ فليعبدوه لإِيلافهم، أي أن نعم الله عليهم لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة اه.
وقال الزجاج في قوله تعالى :﴿وربك فكبر﴾ [المدثر: ٣] دخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل : وما كان فلا تَدَعْ تكبيره اه. وهو معنى ما في « الكشاف ». وسكتا عن منشإ حصول معنى الشرط وذلك أن مثل هذا جار عند تقديم الجار والمجرور، ونحوه من متعلقات الفعل وانظر قوله تعالى :﴿وإياي فارهبون﴾ في سورة البقرة ( ٤٠ )، ومنه قوله تعالى :﴿فبذلك فليفرحوا﴾ في سورة يونس ( ٥٨ ) وقوله :﴿فلذلك فادع واستقم﴾ في سورة الشورى ( ١٥ ). وقول النبي للذي سأله عن الجهاد فقال له : ألك أبوان ؟ فقال : نعم. قال : ففيهما فجاهدْ.
ويجوز أن تجعل اللام متعلقة بفعل ( اعْجَبوا ) محذوفاً ينبىء عنه اللام لكثرة وقوع مجرور بها بعد مادة التعجب، يقال : عجباً لك، وعجباً لتلك قضية، ومنه قول امرىء القيس : فيا لَكَ من ليل لأن حرف النداء مراد به التعجب فتكون الفاء في قوله :﴿فليعبدوا﴾ تفريعاً على التعجيب.
وجوّز الفراء وابن إسحاق في « السيرة » أن يكون ﴿لإيلاف قريش﴾ متعلقاً بما في سورة الفيل ( ٥ ) من قوله :﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ قال القرطبي : وهو معنى قول مجاهد ورواية ابن جبير عن ابن عباس. قال الزمخشري : وهذا بمنزلة التضمين في الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلاّ به اه. يعنون أن هذه السورة وإن كانت سورة مستقلة فهي ملحقة بسورة الفيل فكما تُلحق الآية بآية نزلت قبلها، تلحق آيات هي سورة فتتعلق بسورة نزلت قبلها.
والإِيلاف : مصدر أألف بهمزتين بمعنى ألف وهما لغتان، والأصل هو ألف، وصيغة الإِفعال فيه للمبالغة لأن أصلها أن تدل على حصول الفعل من الجانبين، فصارت تستعمل في إفادة قوة الفعل مجازاً، ثم شاع ذلك في بعض الأفعال حتى ساوى الحقيقة مثل سَافَر، وعافَاه الله، وقاتَلَهُم الله.
وقرأه الجمهور في الموضعين ﴿لإيلاف﴾ بياء بعد الهمزة وهي تخفيف للهمزة الثانية. وقرأ ابن عامر « لإلاف » الأول بحذف الياء التي أصلها همزة ثانية، وقرأه ﴿إيلافهم﴾ بإثبات الياء مثل الجمهور. وقرأ أبو جعفر « لِيلاَف قريش » بحذف الهمزة الأولى. وقرأ « إلافهم » بهمزة مكسورة من غير ياء.
وذكر ابن عطية والقرطبي أن أبا بكر عن عاصم قرأ بتحقيق الهمزتين في « لإِأَلاَفِ » وفي « إِأَلافهم »، وذكر ابن عطية عن أبي علي الفارسي أن تحقيق الهمزتين لا وجه له. قلت : لا يوجد في كتب القراءات التي عرفناها نسبة هذه القراءة إلى أبي بكر عن عاصم. والمعروف أن عاصماً موافق للجمهور في جعل ثانية الهمزتين ياء، فهذه رواية ضعيفة عن أبي بكر عن عاصم.
وقد كُتب في المصحف « إلافهم » بدون ياء بعد الهمزة وأما الألف المدّة التي بعد اللام التي هي عين الكلمة فلم تكتب في الكلمتين في المصحف على عادة أكثر المدَّات مثلها، والقراءات روايات وليس خط المصحف إلا كالتذكرة للقارىء، ورسم المصحف سُنّة متَّبعة سنَّها الصحابة الذين عُيّنوا لنسخ المصاحف وإضافة « إيلاف » إلى ﴿قريش﴾ على معنى إضافة المصدر إلى فاعله وحذف مفعوله لأنه هنا أطلق بالمعنى الاسمي لتلك العادة فهي إضافة معنوية بتقدير اللام.
وقريش : لقب الجد الذي يجمع بطوناً كثيرة وهو فهر بن مالك بن النضر بن كِنانة. هذا قول جمهور النّسابين وما فوق فِهر فهم من كنانة، ولُقِّب فهرٌ بلقب قريش بصيغة التصغير وهو على الصحيح تصغير قَرْش ( بفتح القاف وسكون الراء وشين معجمة ) اسم نوع من الحوت قوي يعدو على الحيتان وعلى السفن.
وقال بعض النسابين : إن قريشاً لقب النضر بن كنانة. وروي عن النبي ﷺ " أنه سئل منْ قريشٌ ؟ فقال : مَنْ وَلَدَ النضْرُ ". وفي رواية أنه قال : " إنّا وَلَدُ النضر بن كنانة لا نقفو أمَّنا ولا ننتفي من أبينا ". فجميع أهل مكة هم قريش وفيهم كانت مناصب أهل مكة في الجاهلية موزعة بينهم وكانت بنو كنانة بخِيف منى. ولهم مناصب في أعمال الحج خاصة منها النَّسِيء.
وتقديم هذا المجرور للاهتمام به إذ هو من أسباب أمرهم بعبادة الله التي أعرضوا عنها بعبادة الأصنام والمجرور متعلق بفعل « ليعبدوا ».
وأصل نظم الكلام : لتَعْبُدْ قريشٌ ربَّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فلما اقتضى قصدُ الاهتمام بالمعمول تقديمه على عامله، تولَّدَ من تقديمه معنى جعله شرطاً لعامله فاقترن عامله بالفاء التي هي من شأن جواب الشرط، فالفاء الداخلة في قوله :﴿فليعبدوا﴾ مؤذنة بأن ما قبلها في قوة الشرط، أي مؤذنة بأن تقديم المعمول مقصود به اهتمام خاص وعناية قوية هي عناية المشترط بشرطه، وتعليق بقية كلامه عليه لما ينتظره من جوابه، وهذا أسلوب من الإِيجاز بديع.
قال في « الكشاف » : دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى إمَّا لاَ فليعبدوه لإِيلافهم، أي أن نعم الله عليهم لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة اه.
وقال الزجاج في قوله تعالى :﴿وربك فكبر﴾ [المدثر: ٣] دخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل : وما كان فلا تَدَعْ تكبيره اه. وهو معنى ما في « الكشاف ». وسكتا عن منشإ حصول معنى الشرط وذلك أن مثل هذا جار عند تقديم الجار والمجرور، ونحوه من متعلقات الفعل وانظر قوله تعالى :﴿وإياي فارهبون﴾ في سورة البقرة ( ٤٠ )، ومنه قوله تعالى :﴿فبذلك فليفرحوا﴾ في سورة يونس ( ٥٨ ) وقوله :﴿فلذلك فادع واستقم﴾ في سورة الشورى ( ١٥ ). وقول النبي للذي سأله عن الجهاد فقال له : ألك أبوان ؟ فقال : نعم. قال : ففيهما فجاهدْ.
ويجوز أن تجعل اللام متعلقة بفعل ( اعْجَبوا ) محذوفاً ينبىء عنه اللام لكثرة وقوع مجرور بها بعد مادة التعجب، يقال : عجباً لك، وعجباً لتلك قضية، ومنه قول امرىء القيس : فيا لَكَ من ليل لأن حرف النداء مراد به التعجب فتكون الفاء في قوله :﴿فليعبدوا﴾ تفريعاً على التعجيب.
وجوّز الفراء وابن إسحاق في « السيرة » أن يكون ﴿لإيلاف قريش﴾ متعلقاً بما في سورة الفيل ( ٥ ) من قوله :﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ قال القرطبي : وهو معنى قول مجاهد ورواية ابن جبير عن ابن عباس. قال الزمخشري : وهذا بمنزلة التضمين في الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلاّ به اه. يعنون أن هذه السورة وإن كانت سورة مستقلة فهي ملحقة بسورة الفيل فكما تُلحق الآية بآية نزلت قبلها، تلحق آيات هي سورة فتتعلق بسورة نزلت قبلها.
والإِيلاف : مصدر أألف بهمزتين بمعنى ألف وهما لغتان، والأصل هو ألف، وصيغة الإِفعال فيه للمبالغة لأن أصلها أن تدل على حصول الفعل من الجانبين، فصارت تستعمل في إفادة قوة الفعل مجازاً، ثم شاع ذلك في بعض الأفعال حتى ساوى الحقيقة مثل سَافَر، وعافَاه الله، وقاتَلَهُم الله.
وقرأه الجمهور في الموضعين ﴿لإيلاف﴾ بياء بعد الهمزة وهي تخفيف للهمزة الثانية. وقرأ ابن عامر « لإلاف » الأول بحذف الياء التي أصلها همزة ثانية، وقرأه ﴿إيلافهم﴾ بإثبات الياء مثل الجمهور. وقرأ أبو جعفر « لِيلاَف قريش » بحذف الهمزة الأولى. وقرأ « إلافهم » بهمزة مكسورة من غير ياء.
وذكر ابن عطية والقرطبي أن أبا بكر عن عاصم قرأ بتحقيق الهمزتين في « لإِأَلاَفِ » وفي « إِأَلافهم »، وذكر ابن عطية عن أبي علي الفارسي أن تحقيق الهمزتين لا وجه له. قلت : لا يوجد في كتب القراءات التي عرفناها نسبة هذه القراءة إلى أبي بكر عن عاصم. والمعروف أن عاصماً موافق للجمهور في جعل ثانية الهمزتين ياء، فهذه رواية ضعيفة عن أبي بكر عن عاصم.
وقد كُتب في المصحف « إلافهم » بدون ياء بعد الهمزة وأما الألف المدّة التي بعد اللام التي هي عين الكلمة فلم تكتب في الكلمتين في المصحف على عادة أكثر المدَّات مثلها، والقراءات روايات وليس خط المصحف إلا كالتذكرة للقارىء، ورسم المصحف سُنّة متَّبعة سنَّها الصحابة الذين عُيّنوا لنسخ المصاحف وإضافة « إيلاف » إلى ﴿قريش﴾ على معنى إضافة المصدر إلى فاعله وحذف مفعوله لأنه هنا أطلق بالمعنى الاسمي لتلك العادة فهي إضافة معنوية بتقدير اللام.
وقريش : لقب الجد الذي يجمع بطوناً كثيرة وهو فهر بن مالك بن النضر بن كِنانة. هذا قول جمهور النّسابين وما فوق فِهر فهم من كنانة، ولُقِّب فهرٌ بلقب قريش بصيغة التصغير وهو على الصحيح تصغير قَرْش ( بفتح القاف وسكون الراء وشين معجمة ) اسم نوع من الحوت قوي يعدو على الحيتان وعلى السفن.
وقال بعض النسابين : إن قريشاً لقب النضر بن كنانة. وروي عن النبي ﷺ " أنه سئل منْ قريشٌ ؟ فقال : مَنْ وَلَدَ النضْرُ ". وفي رواية أنه قال : " إنّا وَلَدُ النضر بن كنانة لا نقفو أمَّنا ولا ننتفي من أبينا ". فجميع أهل مكة هم قريش وفيهم كانت مناصب أهل مكة في الجاهلية موزعة بينهم وكانت بنو كنانة بخِيف منى. ولهم مناصب في أعمال الحج خاصة منها النَّسِيء.