محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
﴿لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف﴾ قال ابن هشام : إيلاف قريش : إلفهم الخروج إلى الشام في تجارتهم، وكانت لهم خرجتان : خرجة في الشتاء، وخرجة في الصيف. قال : أخبرني أبو زيد الأنصاري أن العرب تقول : ألفت الشيء إلفا وآلفته إيلافا، في معنى واحد، وأنشدني لذي الرمة :(١)
من المؤلفات الرمل إدماء حرةشعاع الضحى في لونها يتوضح
والإيلاف أيضا أن يكون للإنسان ألف من الإبل أو البقر أو الغنم، أو غير ذلك، ويقال : آلف فلان إيلافا، قال الكميت بن زيد :(٢)
بعام يقول له المؤلفون هذا المعيم لنا المرجل
والمعيم : العام الذي قل فيه اللبن، والإيلاف أيضا أن يصير القوم ألفا. يقال : آلف القوم، قال الكميت :
وآل مزيقياء غداة لا قوابني سعد بن ضبة مؤلفينا
والإيلاف أيضا أن يؤلف الشيء إلى الشيء فيألفه ويلزمه، يقال : آلفته إياه إيلافا، والإيلاف أيضا أن تصير ما دون الألف ألفا، يقال : آلفته إيلافا، انتهى. ولورود الإيلاف بهذه المعاني ظهر سر إيذانه بالمقيد منه بعد إطلاقه، مع ما في الإيهام ثم التفسير من التفخيم والتقرير، روى ابن جرير(٣) عن عكرمة قال :" كانت قريش قد ألفوا بصرى واليمن يختلفون إلى هذه في الشتاء، وإلى تلك في الصيف ". وعن ابن زيد قال : كانت لهم رحلتان : الصيف إلى الشام، والشتاء إلى اليمن، في التجارة، إذا كان الشتاء امتنع الشام منهم لمكان البرد، وكانت رحلتهم في الشتاء إلى اليمن. وعن ابن عباس قال :" كانوا يشتون بمكة، ويصيفون بالطائف "، والأكثرون على الأول. واللام في قوله ﴿لإيلاف﴾ متعلق بقوله تعالى :﴿فليعبدوا رب هذا البيت﴾.
١ استشهد به في اللسان (ج٩ ص١٠) طبعة بيروت.
شعاع الضحى بريق لونه يتوضح يتبين..

٢ العيم من العيمة وهي الشوق إلى اللبن والمرجل الذي تذهب إبله فيمشي على أرجله يريد أن تلك السنة تجعل صاحب الألف من اللبن يعام إلى اللبن ويسعى ماشيا..
٣ انظر الصفحة رقم ٣٠٧ من الجزء الثلاثين (طبعة الحلبي الثانية)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى