تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآيتان١ ٣ : وقوله تعالى :﴿لإيلاف قريش﴾ ﴿إلافهم رحلة الشتاء والصيف﴾ ﴿فليعبدوا رب هذا البيت﴾(١) هذا يخرج على وجوه :.
أحدها : ما قال الفراء : إن اللام لام الاعتدال ؛ لأن السورة صلة سورة :﴿ألم تر﴾ قال :﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ ﴿لإيلاف قريش﴾ كأنه يقول : أهلكت أصحاب الفيل، وفعلت بهم ما فعلت لتأليف قريش بذلك المكان، كما ألفوا به الرحلتين اللتين جعلنا لهم في الشتاء والصيف.
والثاني : يحتمل أن يقول : ألزمت الخلق عبادة رب هذا البيت، وحملوا ما تحتاج إليه قريش وأهل ذلك المكان من الطعام، وما يتعيشون به، لتأليف قريش عبادة هذا البيت ما لولا ذلك لم يتهيأ لهم المقام بذلك المكان ؛ لأنه لا زرع فيه، ولا نبات، ولا ما يتعيش به، وهو كما قال إبراهيم عليه السلام. ﴿بواد غير ذي زرع﴾ ( إبراهيم : ٣٧ ) وإنما تعيشهم في ذلك المكان بما يحل إليهم من الآفاق والأمكنة النائية، كقوله :﴿أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا﴾ ؟ الآية ( القصص : ٥٧ ).
( والثالث :)(٢) قال بعضهم : أمرت قريش أن يألفوا عبادة رب هذا البيت بإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، يقول : كما ألفتم هاتين الرحلتين، فألفوا عبادة رب هذا البيت.
( والرابع :)(٣) قال بعضهم : إن أهل مكة كانوا يرتحلون تجارا آمنين في البلدان، لا يخافون شيئا لحرمتهم ؛ لأن الناس يحترمونهم لمكان الحرم حتى لا يتعرض لهم بشيء، ولا يؤذيهم أحد، حتى إن كان الرجل منهم ليصاب في حي من الأحياء، فيقال : هذا حرمي فيخلى عنه وعن ماله تعظيما لذلك المكان، وهو ما قال :﴿وآمنهم من خوف﴾ ( الآية : ٤ ).
( والخامس :(٤) ) قيل : إن العرب كان يغير بعضهم على بعض، ويسبي بعضهم بعضا، وأهل مكة كانوا آمنين في حرم الله تعالى، كقوله تعالى :﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم﴾ ؟ ( العنكبوت : ٦٧ ) فذكر عظيم نعمه عليهم ومنته ليعلموا ذلك أنه منه.
١ ساقطة من الأصل وم.
٢ في الأصل وم: و.
٣ في الأصل وم: و.
٤ في الأصل وم: و.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى