جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنّا فَضْلاً يا جبال أَوّبِي مَعَهُ وَالطّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدّرْ فِي السّرْدِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : ولقد أعطينا داود منا فضلاً، وقلنا للجبال : أوّبِي مَعَهُ : سبحي معه إذا سبح.
والتأويب عند العرب : الرجوع، ومبيت الرجل في منزله وأهله ومنه قول الشاعر :
يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍوَيَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْدَاءِ تَأوِيبِ
أي رجوع. وقد كان بعضهم يقرؤه :«أُوْبِي مَعَهُ » من آب يؤوب، بمعنى : تصرّفي معه وتلك قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها قراءة الحجة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال : ثني محمد بن الصلت، قال : حدثنا أبو كدينة. وحدثنا محمد بن سنان القزاز، قال : حدثنا الحسن بن الحسن الأشقر، قال : حدثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس أوّبِي مَعَهُ قال : سَبّحي معه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله يا جِبالُ أوّبِي مَعَهُ يقول : سَبّحِي معه.
حدثنا أبو عبد الرحمن العلائي، قال : حدثنا مِسْعر، عن أبي حُصين، عن أبي عبد الرحمن يا جِبالُ أوّبِي مَعَهُ يقول : سَبّحي.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة يا جبالُ أَوّبِي مَعَهُ قال : سَبّحي، بلسان الحبشة.
حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال : حدثنا فضيل، عن منصور، عن مجاهد، في قوله : يا جبالُ أوّبِي مَعَهُ قال : سبحي معه.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : يا جبالُ أوّبِي مَعَهُ قال : سَبّحي.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة يا جِبالُ أَوّبِي مَعَهُ : أي سبّحي معه إذا سبّح.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : يا جِبالُ أَوّبِي مَعَهُ قال : سبّحي معه قال : والطيرُ أيضا.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : يا جِبالُ أَوّبِي مَعَهُ قال : سبّحي.
حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال : حدثنا مروان بن معاوية، عن جُوَيبر، عن الضحاك، قوله : يا جِبالُ أَوّبِي مَعَهُ سبّحي معه.
وقوله : والطّيْرَ وفي نصب الطير وجهان : أحدهما على ما قاله ابن زيد من أن الطير نُوديت كما نوديت الجبال، فتكون منصوبة من أجل أنها معطوفة على مرفوع، بما لا يحسن إعادة رافعه عليه، فيكون كالمصدر عن جهته. والآخر : فعل ضمير متروك استغني بدلالة الكلام عليه، فيكون معنى الكلام : فقلنا : يا جبال أوّبي معه، وسخرنا له الطير. وإن رفع ردّا على ما في قوله «سبحي » من ذكر الجبال كان جائزا. وقد يجوز رفع الطير وهو معطوف على الجبال، وإن لم يحسن نداؤها بالذي نُوديت به الجبال، فيكون ذلك كما قال الشاعر :
ألا يا عَمْرُو والضّحاكَ سِيرَافَقَدْ جاوَزْتُمَا خَمَرَ الطّرِيقِ
وقوله : وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ذكر أن الحديد كان في يده كالطين المبلول يصرّفه في يده كيف يشاء بغير إدخال نار، ولا ضرب بحديد. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ سخّر الله له الحديد بغير نار.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن عثمة، قال : حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، في قوله : وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ كان يسوّيها بيده، ولا يدخلها نارا، ولا يضربها بحديدة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى