اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
ثم بين أن ما كانوا يعبدون لا ينفعهم فقال :﴿فاليوم لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً﴾. وهذا الخطاب يحتم أن يكون مع الملائكة(١) لسبق قوله :﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ وعلى هذا يكون تنكيلاً للكافرين حيث بيّن لهم أن معبودهم لا ينفعهم ولا يضر. ويصحح هذا قوله تعالى :«لا يملكون الشّفاعة إلا لمن ارتضى »(٢).
ولقوله بَعْدَه :﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا﴾ ولو كان المخاطب هم الكفار لقال :«فَذُوفُوا »(٣) ويحتمل أن يكون داخلين في الخطاب حتى يصح معنى قوله :﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ﴾ أي الملائكة(٤) والجن وإذا لم تملكوها لأنفسكم فلا تملكوها لغيركم، ويحتمل أن يكون الخطاب والمخاطب هم الكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم وعلى هذا فقوله :﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إنما ذكره تأكيداً لبيان حالهم في الظلم.
فإن قيل : قوله «نفعاً » مفيد للحسرة فما فائدة ذكر الضرّ مع أنهم لو كانوا يملكون الضر لما نفع الكافرين ذلك ؟
فالجواب : لما كان العبادة نفع لدفع ضرر المعبود كما يعبد الجبَّار، ويخدم مخافة شره بين أنهم ليس فيهم ذلك الوجه الذي يحسن لأجله عبادتهم.
فإن قيل : قَوْلُه هَهُنَا :«الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا » صفة للنار وفي السجدة وصف العذاب فجعل المكذب هنا النار وجعل المكذب في السجدة العذاب وهم كانوا يكذبون بالكل فما فائدته ؟
فالجواب : قيل : لأنهم هناك كانوا مُلْتَبِسٍين(٥) بالعذاب مترددين فيه بدليل قوله :﴿كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] فوصف لهم ما لابسوه وهنا لم يُلاَبِسُوهُ بعد لأنه عقيب حشرهم وسؤالهم فهو أول ما رأوا النار فقيل لهم : هذه النار التي كنتم بها تكذبون(٦).
١ الرازي ٢٥/٢٦٤و ٢٦٥..
٢ في الفخر الرازي :﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ وقوله: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ والآيتان مختلفتان الأولى من مريم ٨٧ والثانية من الأنبياء ٢٨ فالآيتان مختلفتان. وقد أدخلهما المؤلف في بعضهما..
٣ في (ب) ذوقوا بدون الفاء..
٤ تصحيح العبارة كما في الفخر الرازي : أي الملائكة والحاضر الواحد يجوز أن يجعل من يشاركه في أمر مخاطبا بسببه ويحتمل أن يكون معهم الجن أي لا يملك بعضكم لبعض أيها الملائكة والجن... الخ..
٥ في (ب) متلبسين..
٦ وانظر هذا كله في تفسير الرازي ٢٥/٢٦٥ و ٦٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى