مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
أما قوله تعالى :﴿وخذ بيدك ضغثا﴾ فهو معطوف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك. واعلم أن هذا الكلام يدل على تقدم يمين منه، وفي الخبر أنه حلف على أهله، ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله حلف عليها، ويبعد ما قيل إنها رغبته في طاعة الشيطان، ويبعد أيضا ما روي أنها قطعت الذوائب عن رأسها لأن المضطر إلى الطعام يباح له ذلك بل الأقرب أنها خالفته في بعض المهمات، وذلك أنها ذهبت في بعض المهمات فأبطأت فحلف في مرضه ليضربنها مائة إذا برئ، ولما كانت حسنة الخدمة له لا جرم حلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها، وهذه الرخصة باقية، وعن النبي ﷺ أنه أتى بمجذم خبث بأمة فقال :
« خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة ».
ثم قال تعالى :﴿إنا وجدناه صابرا﴾ فإن قيل كيف وجده صابرا وقد شكى إليه، والجواب من وجوه الأول : أنه شكى من الشيطان إليه وما شكى منه إلى أحد الثاني : أن الألم حين كان على الجسد لم يذكر شيئا فلما عظمت الوساوس خاف على القلب والدين فتضرع الثالث : أن الشيطان عدو، والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح في الصبر، ثم قال :﴿نعم العبد إنه أواب﴾ وهذا يدل على أن تشريف نعم العبد، إنما حصل لكونه أوابا، وسمعت بعضهم قال : لما نزل قوله تعالى :﴿نعم العبد﴾ في حق سليمان عليه السلام تارة، وفي حق أيوب عليه السلام أخرى عظم الغم في قلوب أمة محمد ﷺ، وقالوا إن قوله تعالى :﴿نعم العبد﴾ في حق سليمان تشريف عظيم، فإن احتجنا إلى اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان حتى بحد هذا التشريف لم نقدر عليه، وإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب لم نقدر عليه، فكيف السبيل إلى تحصيله. فأنزل الله تعالى قوله :﴿نعم المولى ونعم النصير﴾ والمراد أنك إن لم تكن ﴿نعم العبد﴾ فأنا ﴿نعم المولى﴾ وإن كان منك الفضول، فمني الفضل، وإن كان منك التقصير، فمني الرحمة والتيسير.
« خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة ».
ثم قال تعالى :﴿إنا وجدناه صابرا﴾ فإن قيل كيف وجده صابرا وقد شكى إليه، والجواب من وجوه الأول : أنه شكى من الشيطان إليه وما شكى منه إلى أحد الثاني : أن الألم حين كان على الجسد لم يذكر شيئا فلما عظمت الوساوس خاف على القلب والدين فتضرع الثالث : أن الشيطان عدو، والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح في الصبر، ثم قال :﴿نعم العبد إنه أواب﴾ وهذا يدل على أن تشريف نعم العبد، إنما حصل لكونه أوابا، وسمعت بعضهم قال : لما نزل قوله تعالى :﴿نعم العبد﴾ في حق سليمان عليه السلام تارة، وفي حق أيوب عليه السلام أخرى عظم الغم في قلوب أمة محمد ﷺ، وقالوا إن قوله تعالى :﴿نعم العبد﴾ في حق سليمان تشريف عظيم، فإن احتجنا إلى اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان حتى بحد هذا التشريف لم نقدر عليه، وإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب لم نقدر عليه، فكيف السبيل إلى تحصيله. فأنزل الله تعالى قوله :﴿نعم المولى ونعم النصير﴾ والمراد أنك إن لم تكن ﴿نعم العبد﴾ فأنا ﴿نعم المولى﴾ وإن كان منك الفضول، فمني الفضل، وإن كان منك التقصير، فمني الرحمة والتيسير.