تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ : اختلف في السبب الذي كان من أيوب عليه السلام الحلف بضرب امرأته. ولكن لسنا ندري ما السبب الذي حمله على الحلف بضربها ؟ ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك السبب. غير أنا نعلم أنه كان من المحلوف عليه معنى يستوجب بذلك الضرب حين حلف هو بالضرب، وأمره الله عز وجل بالضرب.
ثم معلوم أن غضبه وحلفه لا يحتمل أن يكون لمنفعة نفسه، ولكن لله عز وجل ثم الغضب لا يخرج الأنبياء عليهم السلام عن أيدي أنفسهم على من كان غضبه لنفسه.
ثم اختلف في قوله عز وجل :﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ قال بعضهم : قضبان وأغصان ونحو ذلك لأيوب خاصة. وقال بعضهم : هو له وسائر الناس : أن من حلف أن يضرب كذا خشية أو سوطا، فجمع قضبانا أو أغصانا، فضرب بها، بر في يمينه. وليس في الآية أنه ضرب به مرة أو مرارا حتى يخرج بضربه المرأة عن يمينه.
ثم الأصل عندنا أن من هم بضرب آخر كان بالضارب هيئة، وأبدا يعرف أنه يريد الضرب، فينجرد بالمضروب هيئة وأثر، وهو التألم. فجائز أن يكون المراد به تلك الهيئة والأثر لا الضرب نفسه، ليس في يمينه. وإن الأفضل فيها ترك الضرب والكفارة عن الحنث.
ثم أثنى الله عز وجل على أيوب عليه السلام فقال عز وجل :﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ بما ابتلاه الله فين نفسه وأهله وماله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي راجع إليه عز وجل في جميع أحواله : في حال الشدة والبلاء وفي حال السعة والرخاء، والله أعلم.
وقال أبو عوسجة :﴿اركض برجلك﴾ أي اضرب بها الأرض، وكذلك ركض دابتك ؛ إذا ضربتها برجلك تسرع وكذلك قال القتبي ؛ قال : والضغث ملء الكف من الحشيش وغيره ومن كل شيء، وأضغاث جميع. وقال القتبي : الضغث الحزمة من الكلأ أو من العيدان وهو قريب من الأول، وقال : المغتسل الماء، وهو الغسول أيضا.
وقوله تعالى :﴿ولا تحنث﴾ من الحنث. والحنث في الأصل الإثم، وبرت يمينه إذا صدق فيها، ووفى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى